خير الدين الزركلي

167

الأعلام

في كل ذلك خير إعداد لما تمرس به بعد من مهمات . في عام 1345 ه‍ - 1927 م ندبه والده لينوب عنه في المباحثات مع بريطانية التي انتهت بالتوقيع على معاهد جدة في 18 / 11 / 1345 ه‍ ( 20 / 5 / 1927 م ) التي اعترفت بريطانية بمقتضاها بحكومة الملك عبد العزيز . قام بعدها بزيارة معظم دول أوروبا وآسية ، ممثلا بلاده في مختلف المؤتمرات . وتوالت مجالات بروز أثره العالمي ، فرأس مؤتمر القمة العربية الثاني ومؤتمر الدول غير المنحازة في مصر ، عام 1964 . وكان هذا الحضور الفاعل الذي مارسه الفيصل في المجالات الواسعة ، العربية والعالمية ، عاملا لبلورة ملكة القيادة لديه ، التي برزت في أخذه المملكة نحو آفاق التطوير المدني العلمي الحديث السليم ، أثناء توليه رئاسة الحكومة في نواح من المملكة ، أو نيابته عن والده أو رئاسته لمجلس الشورى أو توليه وزارة الخارجية أو رئاسة مجلس الوكلاء ثم رئاسة مجلس الوزراء ، إلى أن بويع - إثر انتقال والده إلى رحمته الله وتولي أخيه للملك - بولاية العهد وذلك في 11 / 3 / 1373 ه‍ = 9 / 11 / 1953 م . وفي يوم الاثنين 27 جمادي الآخرة عام 1384 ه‍ = 3 / 11 / 1964 ، بايع الشعب العربي السعودي بالاجماع جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز ملكا شرعيا على المملكة العربية السعودية . كان تصور الملك فيصل لدوره في قيادة بلاده ، ودور بلاده التي اتخذت أقيسة عالمية في قدراتها وأثر تحركاتها - يدور على ثلاثة محاور ، الأول : النهوض بالمملكة العربية السعودية . الثاني : إحياء مجد الاسلام . الثالث : دعم التضامن العربي والاسلامي ، والدفاع عن الحقوق المغتصبة من العرب والشعور والعمل الأوفيان للنصرة الحقيقية لقضيتهم الأولى ، قضية فلسطين . ففي المجال الداخلي كانت الشريعة الاسلامية الراية والمنطلق والهدف ، التي تحدد الإطار لعمل الدولة العام ، وذلك في وضع وتنفيذ قواعد تنظم علاقات مختلف سلطات الحكم بعضها ببعض . كما تجعل الفعاليات المختلفة للدولة تنهج سبلا حديثة وأسسا حضارية طبيعية : هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فقد كانت الشريعة الاسلامية تؤمن تحقيق العلاقات الشرعية العادلة بين الفرد والفرد وبين الحاكم والمحكوم . كان ذلك الإطار العام لمشاريع تغطي أنشطة المجتمع كافة ، وذلك ضمن خطط خمسية تعمل على تطوير العنصر البشري في المملكة والنواحي الاقتصادية والعمرانية المختلفة فيها ، تهيئة لاضطلاعها بمسؤولياتها الجسام في الشرق وفي العالم أجمع . من هنا كانت النهضة العملاقة - الصعبة التصور على غير الذي عايشها عن كثب - في جميع أركان المجتمع ، كما كان العمل بدأب وتضحية ومثابرة على تحقيق كل ما يلزم لقيام البلاد بدور المنتجع لمسلمي العالم لأداء ركن من أركان دينهم ، ضمن شروط يطرد تحسينها . ولكن الله لم يشأ أن يتم تحقيق هذا البرنامج الفذ في حياة الملك فيصل ، فانتقلت مسيرة البلاد إلى الملك خالد ومعاونة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز ، وذلك إثر وفاة الملك فيصل فجأة ، صباح الثلاثاء الواقع فيه 13 / 3 1395 ه‍ ( 25 آذار 1975 م ) متأثرا من جراحه التي خلفها حادث الاعتداء الأثيم عليه من قبل الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز ، المعروف باختلال عقله . وقد خلف ، رحمه الله ، من الأنجال ، الأمراء : عبد الله ، وسعودا ومحمدا وخالدا وعبد الرحمن وسعدا وبندر وتركيا . ولعل أوضح ما يوجز ما قام به ، وما كان يقوم به ، وما كان ينوي أن يقوم به ، تصريحه لمحطة التلفزيون قبل يومين من وفاته الذي جاء فيه ما يلي : قد لا يكون تطور المملكة الذي أنجز حتى اليوم مرضيا لطموحنا ، ولكنه يتميز بأنه مدروس ، وأنه أقصى ما يمكن تنفيذه عملا ، ونحن نريد أن تكون هذه المملكة ، الآن ، وبعد خمسين سنة من الآن ، إن شاء الله ، مصدر إشعاع للانسانية والسلام ، يسكنها شعب مؤمن بالله . يجب أن تشكل الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية ، وتعود الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، كما أن عودة القدس إلى الإدارة العربية أمر حيوي في نظرنا ، ولا يمكن أن نقبل بغير ذلك . وصفه أحد معايشيه فقال عنه : " كان رجلا كله جد في وداعة ، وتواضع في ترفع ، يعمل لمواجهة ما يضمره المستقبل مع الايمان به . طويل الصبر والحلم والأناة ، دون أن يستكين أو يتواكل أو يغفو ، يستمع إلى ما يدور في أعماق الناس أكثر مما يستمع إلى ما يقولون ، يقف في شهامة إلى جانب الحق حيثما كان ، مع عفة لسان ودون جلية ، أذناه أعمل من لسانه ، وأغواره أعمق من مظهره ، يجلوه وقار ، دون تجهم