الشريف الرضي

373

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أن جميع هؤلاء ليس ممن يشاء ان يغفر لهم ، ما [ 1 ] ذكره تعالى انه يعذبهم عليه من هذه الذنوب التي دون الشرك ، إذ كان تعالى قد أعلمنا انه يعذبهم كما أعلمنا أنه يعذب الكفار بعد قوله تعالى : ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . . ) [ 2 ] ، فكان من يغفر لهم ما دون ذلك هم أهل الصغائر ، الذين وعدهم غفرانها باجتناب الكبائر في قوله تعالى : ( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) ، فلم يجب - لاشتراط مشيئة الغفران لما دون الشرك - أن نشك في غفران الصغائر لمجتنبي الكبائر ، كما لم يجب أن نشك في تعذيب أهل الكبائر التي هي دون الشرك ، لاشتراط المشيئة في الغفران لهم . ومما يدل على ذلك أنا قد اجمعنا على أن قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) معناه : انه يعذب على الشرك به ، فوجب أن يكون اخباره بأنه يعذب القاتل والزاني ومن أشبههما من أهل الكبائر هو إخبار بأنه لا يغفر لهم ، إذ كان ( لا يغفر ) معناه ( يعذب ) ، فكذلك قوله تعالى : ( يعذب ) هو إخبار بأنه لا يغفر ، فإذا صح ذلك بأنه لا يغفر الشرك ، ولا يغفر ما قال : إنه يعذب عليه مما دون ذلك من الكبائر التي ليست بشرك ، وإذا كان هذا هكذا ، فقد وجب انه لا يغفر الشرك ولا ما دونه من الكبائر التي ليست بشرك ، لاستواء كل واحد من الدليلين في نفي الغفران وايقاع العذاب .

--> ( 1 ) ( ما ) هذه مصدرية ظرفية . ( 2 ) آل عمران : 129 . والمائدة : 18 . والفتح : 14 .