الشريف الرضي

353

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أنه تعالى قال : ( آمنوا من قبل أن ينزل بكم هذا العقاب ) ، ومعلوم أن سائر الأوقات التي يبقون فيها على تكليفهم داخل تحت هذه اللفظة التي هي ( قبل ) ، ومعلوم في جميع عمرهم انه وقت للايمان ، فجاز من هذا الوجه أن يكون الوعيد بالطمس متأخرا عن حال الدنيا . 5 - وقال بعضهم : معنى طمس الوجوه هو إزالة رسومها وتنكير معارفها ، وهو معنى قوله : ( فنردها على أدبارها ) ، أي : نشبه الوجوه في محو الأسارير وإزالة التخاطيط بأقفائها ، فقوله تعالى : ( فنردها على أدبارها ) تفسير لطمس الوجوه . وهذا المعنى - والله أعلم - هو المراد بقوله تعالى : ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) [ 1 ] فان الوجوه إذا جعلت اقفاء كان إيتاء الانسان كتابه من وراء ظهره ، على الحقيقة ، ومن حيث يكون وجهه وفيه لسانه وطرفه ، لأنه إنما ينظر إلى كتابه بعينه ويقرأ مضمونه بلسانه ، وذلك كله في وجهه . وهذا أحد العذابين اللذين أوعد بهما الله تعالى فيكون وقوع الطمس على الوجه المذكور في الآخرة ، ويكون المقدم في الدنيا هو اللعن لهم [ 2 ] وإلحاق الذم بهم ، كما قال تعالى : ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) . والى هذا المعنى قصد أبو مسلم بن بحر في الكلام على هذه الآية ، وكنت أظن أنه من اختراعاته حتى مضى بي لأبي العباس المبرد ، وقد زاد فيه أن قال :

--> ( 1 ) الانشقاق : 10 . ( 2 ) وهذا هو العذاب الآخرة .