الشريف الرضي
341
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
مرة ، وبغير ذلك مما يطول الكلام باستقصاء ذكره . والشعر في هذا المعنى أكثر من أن نحيط بأقطاره أو نجمعه من أطرافه . ومما يقوى به قول من قال : ( إن السكر ههنا من النوم لا من الخمر ) أن النوم والسكر من الشراب يرجعان إلى أصل واحد ، وذلك الأصل هو السهو ، وإنما تتغير أسماؤه لاختلاف الأحوال به ، فإذا قارن السهو استرخاء واستراحة سمي نوما ، وإن قارنه ضعف أو علة سمي إغماء ، وإذا استمر بالإنسان مع استمرار الصحة سمي جنونا ، وإذا قارنه فتور ونشاط سمي سكرا ، ولا يمتنع في المعاني أن تختلف احكامها وأسماؤها لوقوعها على وجوه مختلفة وأنحاء مفترقة . فان قال قائل : هلا قلتم : إن النوم هو استرخاء الجسم على وجه الاستراحة إذا قارنه السهو ! ولم ( 1 ) صرتم بأن تجعلوه اسما للسهو على الوجه الذي قلتموه أولى ( 2 ) من أن تجعلوه اسما للاسترخاء على هذا الوجه ؟ . قيل له : إن الحال في الاسترخاء تختلف على الجسم ، ولا تختلف حاله في كونه نائما إذا حصل فيه ما قلنا من السهو ، ولو اختلفت حال السهو لم يوصف بذلك ، فعلم أن النوم هو السهو إذا كان على الصفة المذكورة ، فصح أن المراد ههنا بالسكر هو غلبة النوم على الانسان حتى يعقل لسانه وينقص بيانه ، ولذلك قال تعالى : ( حتى تعلموا ما تقولون ) ، اي : حتى تزول عنكم أغباش ( 3 ) النعاس . وتتحققوا مخاريج الكلام ، إلا أن تسمية السكران من الشراب حقيقة ، وتسمية
--> ( 1 ) وفي ( خ ) : ولو . ( 2 ) وفي ( خ ) لكان أولى . ( 3 ) الأغباش : جمع غبش بفتحتين وهو : ظلمة آخر الليل .