الشريف الرضي

327

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وما شاكل ذلك ، إنما هو من جنس الضجيج والاضطراب والتغوث والاسترواح وطلب تخفيف العذاب ، على ما اعتادوه في دار الدنيا ، فلم ينفعهم ذلك بل عاد بخلاف ما أملوه وضد ما حاولوه ، فقال تعالى : ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) يريد كذبوا فيما أملوه من سهولة العذاب عليهم وتخفيفه عنهم ، وهذا معروف في كلامهم أن يقولوا : كذب فلانا أمله [ 1 ] ، إذا امل أمرا فلم يعط ما أمله ، وعليه قول الشاعر [ 2 ] : - كذبتم وبيت الله لا تأخذونها * مراغمة ما دام للسيف قائم - قال : والمعنى كذبتم آمالكم [ 3 ] في ذلك ، ولم يرد الشاعر انهم قالوا قولا فكذبوا فيه . ( قلت ) ولا يمتنع أن يكونوا قالوا : سنأخذها مراغمة ، فرد الشاعر عليهم قولهم ، فقال : كذبتهم فيما قلتموه من أخذها قسرا وحيازتها قهرا . وقال أبو دؤاد الأيادي في طرده عيرا لصيده ويعني فرسه والعير : قلت لما فصلا من قنة * كذب العير وإن كان برح [ 4 ]

--> ( 1 ) المشهور من كلامهم : ( كذب أمله وأكدى رجاؤه ) . ( 2 ) هو عمرو بن براق أو براقة ، والبيت من قصيدة ، مشهورة قصتها في كتب الأدب ومطلعها : تقول سليمى لا تعرض لتلفة * وليلك عن ليل الصعاليك نائم ( 3 ) هكذا في النسخ والظاهر : كذبتكم آمالكم ، أو كذبتم في آمالكم . ( 4 ) رواه في ( التاج ) : قلت لما نصلا . . . ) . القنة من كل شئ أعلاه وقلة الجبل ، وقد فسر في التاج كذب في البيت بفتر وأمكن . قال : ( ويجوز أن يكون اغراء اي عليك العير فصده وإن كان برح ) .