الشريف الرضي
253
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
قوله تعالى : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) [ 1 ] ، والمراد به الحض على التأمل والتدبر . و ( النظر ) : تقليب الحدقة الصحيحة في جهة المرئي التماسا لرؤيته ، وهو المراد في هذا الموضع ، وكل راء ناظر ، وليس كل ناظر رائيا ، فكان حقيقته الطلب ، لان الناظر يطلب الرؤية ، والمفكر يطلب المعرفة ، والناظر - بمعنى المنتظر - يطلب الشئ الذي ينتظره ، ويعلق خوفه أو رجاه به . وأنشدنا شيخنا أبو الفتح عثمان بن جني عن أبي علي الفارسي قول ذي الرمة : فيامي هل يجزي بكائي بمثله * مرارا وأنفاسي إليك الزوافر واني متى أشرف من الجانب الذي * به أنت من بين الجوانب ناظر قال : وكان يستشهد بهذا الشعر على أن الرؤية غير النظر ، ويقول : لو كان النظر بمعنى الرؤية لم يطلب الشاعر عليه الجزاء ، لان المحب لا يستثيب [ 2 ] على النظر إلى محبوبه ثوابا ، ولا يستجزي عليه جزاء ، إذا كان ذلك مراده ومناه وقصده ومغزاه ، ألا ترى أنهم يتمنون رؤية أحبابهم ومسارقة النظر إلى أشجانهم [ 3 ] ، ويشتاقون ذلك في أسجاعهم واشعارهم ، لان فيه قضاء إربهم وبلال غللهم ، وإنما يعبرون في اشعارهم بالنظر عن الرؤية ، لأنه سببها ومقدمتها والرائد المطرق لها [ 4 ] ، الا فالرؤية مقصدهم ، واليها مرمى غرضهم ،
--> ( 1 ) الغاشية : 17 . ( 2 ) اي : لا يطلب الثواب وكذلك أراد بيستجزي : يطلب الجزاء . ( 3 ) جمع شجن ( بفتحتين ) والمراد به : الحبيب وفي ( خ ) : أشباحهم . ( 4 ) طرق له : جعل له طريقا .