الشريف الرضي
210
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
وقوله في موضع آخر : ( أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ) [ 1 ] ، فلدخول الشبهة على الطوائف التي ذكرناها ( كانوا ) [ 2 ] يضيفون أفعال الله تعالى إلى غيره ، ويخلعون صفاته على خلقه ، فإذا انحسر قناع الشك ، وانكشف غطاء الرأس ، واضطر الناس إلى المعارف ، وارتفع تكليف المكلف ، وتقوض بناء الدنيا ، وانقطعت أعمال الورى - علم الجميع أن لا خالق إلا الله تعالى : يضر وينفع ويعطي ويمنع ، فانتهت إليه الرغبات ، وانقطعت من غيره الآمال والأطماع ، وعلم أن رجاء غيره غرور ، والمشير إلى سواه مغرور ، فجاز أن يقول تعالى على هذا المعنى : ( والى الله ترجع الأمور ) . 6 - وقال بعضهم : معنى ذلك : أن الأمور كلها في ملكه ، وتصريفها على مشيئته ، ومن غير أن يكون هناك على الحقيقة خروج عنه ، فيكون رجوع إليه ، وعلى هذا قولهم : ( قد رجعت في فلان أشباه أبيه ) ، أي : خرج إليه في محاسن خلقه ، أو في كرائم خلقه ، وليس يريد القائل لذلك أن أمرا كان هناك فانتقل ثم رجع ، وفقد ثم وجد ، وإنما مراده ما ذكرناه ، ومثل ذلك قول القائل : ( قد رجع على فلان عتب من فلان ، وعاد عليه من جهته لوم ) يريد : اصابه منه عتب ولوم لا غير ، إذ كان ذلك واقعا على سبيل الابتداء ، ومثله قول الشاعر [ 3 ] :
--> ( 1 ) الأنبياء : 66 ( 2 ) وفي ( خ ) : ( ما ) والصحيح ما أثبتناه ( 3 ) هو كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي بها أخاه شبيبا . وقال أبو علي القالي في أماليه : بعض الناس يروى هذه القصيدة لكعب ابن سعد الغنوي ، والمرثى من قومه وليس بأخيه ، ويكنى ابا المغوار واسمه هرم وبعضهم يقول : اسمه شبيب ويحتج ببيت روى في هذه القصيدة : ( أقام وخلى الظاعنين شبيب ) .