الشريف الرضي

184

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

المصلين في المسجد الحرام ، وهم يكفكفون الطير بأيديهم عن مواضع سجودهم ، لشدة قربها منهم واختلاطها بهم ، ولقد رأيت ظبيا وحشيا يتخرق الأسواق ، ويقف على جماعة من بائعي الأقوات ، فربما انتشط [ 1 ] نشطة ، أو اجتذب الشئ بعد الشئ خلسة ، وعليه سيماء الساكن ودعة المطمئن الآمن ، حتى ربما طرد فلم يرعه الطرد ولم يفزعه الايماء باليد . وقيل لي - ولم أره - : إنه إذا جاوز أنصاب الحرم [ 2 ] خرج كالسهم المارق ، أو البرق الخاطف ، كأن الروعة إنما أدركته بعد خروجه من حدود الحرم ودخوله في أراضي الحل ، فتبارك الله رب العالمين ! ومنها تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته ، على عادة كانت جارية بذلك فيما تقدم ، قبل استقرار الشرع ووروده بالأمر والنهي - فأما الآن فلا يجب على القديم تعالى عندنا المنع من الظلم في دار التكليف ، وفي ذلك كلام طويل ليس هذا موضع ذكره - ومثل ذلك ما فعله الله تعالى في الجاهلية بمن قصد البيت الحرام لاحرابه ، والحرم لانتهاكه ، عام الفيل ، من تعجيل النقمات وإنزال المثلات [ 3 ] ، وبروك الفيل بالمغمس [ 4 ] ، حتى لم يقدم به الزجر الشديد والسوق العنيف . وحديث ذلك يطول . قال قاضي القضاة أبو الحسن : ( ومثل ذلك لا يكون إلا معجزا في زمن نبي ، فأما تمكن من تمكن من تخريبه ورميه بالأحجار وإحراقه بالنار ، في أيام بني مروان ، فلان النبوة قد ارتفعت ، فلا يصح ظهور المعجز حينئذ ، وإنما يصح ذلك في أزمان الأنبياء . واختلف العلماء في أن الهاء

--> ( 1 ) اختلس بفمه ( 2 ) اي حدوده . ( 3 ) جمع مثلة بفتح وضم وهي العقوبة . ( 4 ) موضع بطريق الطائف .