الشريف الرضي
172
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فإذا ثبت ما قلنا رجعنا إلى ذكر قول العلماء المحققين في معنى هذه الواو ، إذ كانت عندهم واردة لفائدة لو لاها لم تعلم ، فنقول : إن معنى ذلك عندهم ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) على وجه الصدقة والقربة ما كانوا مقيمين على كفرهم ، ثم قال تعالى : ( ولو افتدى بهذا المقدار أيضا - على عظم قدره - من العذاب المعد له ما قبل منه ) ، فكأنه تعالى لما قال : ( فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ) عم وجوه القبول بالنفي ثم فصل سبحانه لزيادة البيان [ 1 ] ، ولو لم ترد هذه الواو لم يكن النفي عاما لوجوه القبول ، وكان القبول كأنه مخصوص بوجه الفدية ، دون غيرها من وجوه القربة ، فدخلت هذه الواو للفائدة التي ذكرناها من التفصيل [ 2 ] بعد الجملة . فأما من استشهد على زيادة الواو ههنا بقوله تعالى في الانعام : ( وليكون من الموقنين 75 ) ، وقدر ان الواو هناك زائدة ، فليس الامر على ما قدره ، لان الواو هناك عاطفة على محذوف في التقدير ، فكأنه تعالى قال : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) لضروب من العبر ( وليكون من الموقنين ) . فان قال قائل : قد وردت في القرآن آيات تدل على أن نفي القبول منهم لما لو قدروا عليه لبذلوه إنما هو في الافتداء من العذاب لا غير ،
--> ( 1 ) فتكون الآية من نحو قولهم : ( لا تغتر بعدوك وان ضحك إليك ) ( 2 ) وفي ( خ ) : ( من نفي التفصيل ) والصحيح ما هو مثبت في المتن .