الشريف الرضي
53
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
وقد يكون معصية ، فإن كان ذلك معصية فالشيطان زينه ودعا إليه ، وإن كان ذلك طاعة أو مباحا ( 1 ) ، فالله سبحانه زينه وأمر به المؤمنين ( 2 ) ) ومن الدليل على ذلك أن الله سبحانه - كما قلنا في ما تقدم - قد ذم أهل الدنيا بميلهم إليها ، وعابهم بحبهم لها ، ولم يكن سبحانه ليزين شيئا عند المكلفين ويحببه إليهم ، فإذا أحبوه لأمهم عليه وعيرهم به ، فعلمنا بذلك أن تزيين ما ذمه وعابه من فعل غيره لا من فعله ، ونعني بهذا : التزيين المذموم الذي هو ركوب المحارم ، واحتقاب المآثم ، فأما ما كان من القرب والطاعات وسائر المباحات ، فهو على ما قال مما يجوز أن ينسب إلى تزيين الله تعالى ، بمعنى : أنه جعله حسنا ولم يجعله قبيحا ، ألا ترى إلى قوله تعالى من بعد هذه الآية : ( قل أؤنبؤكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار . . . الآية - 15 ) ! ، ولا يجوز أن يبعث الله تعالى على هذا الامر الذي هو خير من الأول وأفضل ، وهو مع ذلك مزين للامر الأول لان تزيين الثاني يؤثر في تزيين الأول
--> ( 1 ) قال الرازي - بعد أن نسب هذا القول بالتفصيل لأبي علي والقاضي - : ( هذا ما ذكره القاضي ، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب ، والقاضي لم يذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبين أن التزيين فيه من الله تعالى أو من الشيطان ) وأنت ترى فيما نقله المؤلف عن أبي علي انه ألحق المباح بالطاعة ولم نجد في كتب التفسير من ألحق المباحات بالطاعات في ايراد القول بالتفصيل . ( 2 ) وفي النسخ : ( أو بعض المؤمنين ) ، ولا يبعد زيادة ( أو بعض ) من النساخ ، أو زيادة ( أو ) نقط ونحن رجحنا ما أثبتناه .