الشريف الرضي

49

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وفصل جملها في الدنيا ، وخلق عباده غير ممتنعين من ( حب ) ( 1 ) الاستكثار منها والانغماس فيها والادخار لها ، ثم نعبدهم تعالى في ذلك بخلاف ما في طباعهم وما عليه فطرة خلقهم ، فأمرهم بأن يأخذوا الأشياء من وجوهها المباحة التي حللها ، يعدلوا عما خطر عليهم منها ، ولم يأمرهم بشئ مما يحاربون فيه عواصي طباعهم ، ويجاهدون نوازغ ( 2 ) نفوسهم ، إلا وقد جعل فيهم من القوى والقدر ( 3 ) والاعتصام والجلد شككا ( 4 ) قوية وأسلحة معنية ( 5 ) : يمتنعون بها في حرب الطباع ، على قراع الشيطان ، لأنه تعالى لم يأمرهم بشئ إلا وقد جعل لهم الطريق إلى تركه . 2 - وقول آخر . قال بعضهم : معنى [ زين للناس حب الشهوات ] ؟ . يقول : زين لهم الشيطان حبها ، لان الله سبحانه قد نهى عنها وزهد فيها ، وقد قال الحسن البصري : ما نعلم أحدا أشد ذما لها من الذي خلقها ، فكأن الشيطان دعاهم إلى موافقة طباعهم ، فأتبعوا أمره ، وخالفوا أمر الله سبحانه ، وذلك كما يقول الرجل : زينت فلانا في عين الأمير ، إذا اثنى عليه عنده ، وقربه من قلبه ، وأحسن محضره في عينه ، وقد قال سبحانه : [ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ] ( 6 ) فالأولى أن ينسب التزيين إلى من عادته التزيين ، وهو الشيطان ، وينسب التزهيد

--> ( 1 ) وفي ( خ ) : حيث . ( 2 ) مفسدات وفي ( خ ) : نوازع ( 3 ) : جمع قدرة ( 4 ) : جمع شكة بالكسر : السلاح . ( 5 ) : مذلة مخضعة ، وفي ( خ ) : معينة . ( 6 ) الأنفال : 48 .