الشريف الرضي
41
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
أقل من العدد الذي كانوا عليه في الحقيقة ، كما يرى الانسان الثلاثة اثنين ، وهذا كما يقول القائل لجماعة من أعدائه : إني لأرى كثيركم قليلا ، وخطبكم يسيرا ، على المعنى الذي ذكرناه ، ويكون تقليل المسلمين في أعين المشركين الذي ذكره الله تعالى بقوله : ( ويقللكم في أعينهم ) على هذا الوجه أيضا ، كما ذكرناه أولا ، ليطمع المشركون فيهم فيقدموا عليهم ، ويجعل الله من بعد [ الدابرة ] ( 1 ) على المشركين ، والعاقبة للمتقين ، وتفترق الرؤيتان على حال القلة والهوان ، فيكون ما يراه المسلمون من قلة المشركين سببا لقوة قلوبهم وطريقا للطمع فيهم ، ويكون ما يراه المشركون من قلة المسلمين سببا لسرعة الاقدام عليهم ، ولئلا يقفوا عنهم هيبة لهم ، فيطول التحاجز بينهم ، فإذا أسرعوا إليهم منح الله المسلمين النصر والاظهار على جماعتهم ، وأظفر أولياءه بهم ، وأنجز لهم وعده فيهم ، فتكون القلة التي ترى بالمسلمين مفضية إلى كثرة وعزة ، والقلة التي ترى بالمشركين مفضية إلى ذلة وشقوة . 8 - وقال قاضي القضاة أبو الحسن : ( معنى قوله تعالى : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا . . . ) يحتمل أن يراد بذلك حجة ودلالة ، ويحتمل أن يراد به : أمارة وعلامة ( 2 ) تقوي ظنكم فيما خبرتم به من النصر والاظهار ( 3 ) ، لتأمنوا ما خفتم وقوعه من غلبة الكفار ، لكن
--> ( 1 ) وفي نسخة : الدائرة . ( 2 ) الحجة ما تورث اليقين والقطع ، والعلامة : ما تستثير الظن ، وتكون الآية عبرة عليهما ، لأنها يعبر بها من الجهل إلى العلم أو منه إلى الظن ، من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر . ( 3 ) : الغلبة .