الشريف الرضي
38
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
هذه الحال ، لان المسلمين إذا رأوا المشركين على هيئتهم وصحيح عدتهم ، فليس في ذلك آية تدل على الاختصاص لهم ، والتمييز من غيرهم ، ( فمن ) ( 1 ) زعم أن الآية في هذا غلبة القليل الكثير ، فقد أبطل أيضا ، لأنه كثير ما يغلب العدد القليل العدد الكثير . وإنما الصحيح أن يكون وجه الآية من هذا ان المشركين كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وكان المسلمون ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ، فأرى الله سبحانه المسلمين أن عدة المشركين ستمائة وكسر ، وأرى الله المشركين أن المسلمين أقل من ثلاثمائة ، والله سبحانه قد قدم إعلام المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين ، فأراهم تعالى عدة المشركين على القدر الذي أعلمهم أنهم يغلبونهم - إذا كانوا عليه - لطفا لهم وتقوية لقلوبهم ، وأرى الله سبحانه المشركين المسلمين أقل من العدة التي كانوا عليها في الحقيقة ، والقى مع ذلك الرعب في قلوب المشركين ، فكانوا يرون العدد قليلا ويحسون الرعب كثيرا ، فكان سببا لضعف ( منهم ) ( 2 ) وانحلال عقدهم . والدليل على صحة هذا القول قوله سبحانه : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) ، فهذا موضع الآية المعجزة : ان رأى كلا الفريقين كل واحد منهما على خلاف صورته ، وعلى نقصان من عدته ، ليتم الغرض المقصود بذلك ) .
--> ( 1 ) فان : في ( خ ) . ( 2 ) . جمع منة بالضم والتشديد وهي : القوة ، وفي جملة من النسخ : منيهم .