خير الدين الزركلي
62
الأعلام
معاصرا لمعاوية ، وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان . عدة الشماخي ( 1 ) في التابعين وقال : " كان على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم ( بن عقبة المري ) عامل يزيد ( ابن معاوية ) وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان ، وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد " ( 2 ) . انتهى . وعده محمد بن زكريا الباروني ( 3 ) . في مقدمة أبناء النصف الثاني من المئة الأولى للهجرة ، بعد جابر بن زيد . وقال القلهاتي ( 4 ) وهو من مؤرخي الإباضية كالشماخي والباروني : " نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان ، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان ، وكتب إليه بالسيرة المشهورة " . وأراد بالسيرة " رسالة " بعث بها عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان ، يقول فيها بعد البسملة والمقدمة : جاءني كتابك مع سنان بن عاصم الخ ( 5 ) ويذكر فيها أنه أدرك معاوية ورأى عمله وسيرته . ونقل نشوان الحميري ( 6 ) عن أبي القاسم البلخي المعتزلي ( 7 ) : " حكى أصحابنا - يعني المعتزلة - أن عبد الله لم يمت حتى ترك قوله أجمع ، ورجع إلى الاعتزال " وليس في كتب الإباضية ما يؤيد هذا . وفي الكامل للمبرد : قول ابن إباض ، أقرب الأقاويل إلى السنة ( 8 ) وفي هامش على الأغاني ( 9 ) لم يذكر مصدره : " خرج ابن إباض في أيام مروان بن محمد " . وهذا وهم ، فقد مات قبل أيام مروان بأربعين عاما . وانتشر مذهبه قديما في بربر المغرب . قال ابن الخطيب ( 1 ) : " رغب الإباضيون من البربر في موادعة روح بن حاتم إلى أن توفي " وكانت وفاة روح سنة 174 ه . وعرف مذهب ابن إباض ، باسمه ، قبل هذا التاريخ ، قال الذهبي ( 2 ) : " إن عكرمة كان يرى رأي الإباضية ، وتوفي سنة 105 ه ) ولا ريب في أن الخطيب البغدادي ( 3 ) عنى شخصا آخر في القصة الآتية : " قال المأمون لحاجبة : أنظر من في الباب من أصحاب الكلام ، فقال : بالباب أبو الهذيل العلاف ، وهو معتزلي ، وعبد الله بن إباض وهو إباضي " . أكثر مترجمية يضبطون " إباض " بكسر الهمزة ، ويذكر المقريزي ( 4 ) بعد أن عرفه برأس الإباضية وبأنه كان " من غلاة المحكمة " أنه " خرج في أيام مروان - كذا " ثم قال : " ويقال : إن نسبة الإباضية إلى إباض - بضم الهمزة - وهي قرية بالعرض من اليمامة نزل بها نجدة ابن عامر " . ويقول الزبيدي ( 5 ) في كلامه على ابن إباض : " كان مبدأ ظهوره في خلافة مروان الحمار " وهذا وما قبله يعنيان أنه ظهر بين سنتي 127 و 132 ه ، أيام حكم مروان ، وهو لا يتفق مع ما قدمناه وثقات أصحابه متفقون على أن وفاته كانت في أواخر أيام عبد الملك بن مروان . وعبارة ابن العماد ( 6 ) في حوادث سنة 130 ه ، تشير إلى أن عبد الله كان قبل هذا التاريخ ، فهو يقول : " فيها كانت فتنة الإباضية المنسوبين إلى عبد الله بن إباض ، وكان داعيتهم في هذه الفتنة عبد الله بن يحيى الجندي الكندي الحضرمي طالب الحق وكانت لهم وقعة بقديد مع عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان ، فقتل عبد العزيز ومن معه من أهل المدينة ، فكانوا سبعمائة أكثرهم من قريش " ويزيف دي موتلنسكي ( De Motylinski . A ) ( 1 ) ما أورده الشهرستاني ( 2 ) من أن عبد الله ابن إباض اشترك في ثورة طالب الحق - المقدم ذكرها - ويقول : " إن مصادر أخري أجدر بالثقة تذكر وفاة ابن إباض في أيام عبد الملك " . وأخبار الإباضيين كثيرة في التاريخ القديم والحديث . ولا يزال مذهبهم منتشرا ، قال باحث من معاصرينا ( 3 ) " لا تزال بقية هؤلاء في بلاد الجزائر ، وهم يعيشون على وتيرة منظمة وتقاليد عريقة ، ولا تحكم بينهم محاكم الدولة ، وإذا ماطل مدين دائنه دخل المسجد وأعلن ذلك ، وحينئذ يقاطع الناس المدين فلا يسلمون عليه ولا يعاملونه حتى يوفي ما عليه " قلت : وهم في المشرق ، اليوم ، أكثر أهل " المملكة العمانية " ولهم فيها الإمامة والسيادة . أما في الجزائر فبلاد " وادي ميزاب " معظم سكانها إباضية ، ولهم في كل بلد منها " مجلس " يسمى " مجلس العزابة " بفتح العين وتشديد الزاي ، وهو جمع " عازب " ويعنون به من انقطع للعلم والدين ، عزوبا عن الدنيا ، ويتألف من نحو عشرة أشخاص يجتمعون في مسجد البلد ، ويفصلون بين المتقاضين ، ابتعادا عن الرجوع إلى المحاكم غير الاسلامية ، وقد كانت فرنسية ، ومن أبي حكمهم أعلنوا البراءة منه فيقاطع حتى يرد الحق ويتوب ( 4 ) .
--> ( 1 ) السير للشماخي 77 . ( 2 ) توفي جابر بن زيد سنة 93 ه ، والأباضية يعدونه مؤسس مذهبهم . ( 3 ) في كتابه " الطبقات - خ " أي طبقات الإباضية . ( 4 ) أبو سعيد ، محمد بن سعيد القلهاتي - نسبة إلى قلهاة ، من بلاد عمان ، على ساحل البحر - من علماء الإباضية ، له " الكشف والبيان - خ " جزآن ، في التاريخ ، أطلعني عليه الشيخ إبراهيم أطفيش بمصر . ( 5 ) تقع الرسالة في إحدي عشرة صفحة ، أوردها أبو القاسم ابن إبراهيم البرادي في كتابه " الجواهر " المطبوع على الحجر بمصر ، وهي في الصفحات 156 - 167 . ( 6 ) الحور العين لنشوان 173 . ( 7 ) أبو القاسم بن أحمد الكعبي البلخي ، من أئمة المعتزلة . ( 8 ) الكامل 2 : 179 و 180 . ( 9 ) الأغاني ، طبعة دار الكتب ، هامش الصفحة 230 من المجلد السابع . ( 1 ) أعمال الاعلام للسان الدين ابن الخطيب 7 . ( 2 ) ميزان الاعتدال للذهبي 2 : 209 . ( 3 ) تاريخ بغداد ، للخطيب البغدادي 3 : 369 . ( 4 ) خطط المقريزي 2 : 355 . ( 5 ) تاج العروس : مادة أبض . ( 6 ) شذرات الذهب 1 : 177 . ( 1 ) في دائرة المعارف الاسلامية : " الإباضية " . ( 2 ) في الملل والنحل ، طبعة كيورتن ، ص 100 . ( 3 ) حافظ رمضان في حاشية على الصفحة 155 من كتابه " أبو الهول قال لي " . ( 4 ) أطلت في هذه الترجمة على غير ما اعتدته ، لأني لم أجد لابن إباض ترجمة مستوفاة في جميع ما كتبه عنه المتقدمون والمتأخرون .