محمود أبو رية

81

شيخ المضيرة أبو هريرة

منه 1600 دينار وقال له : " والله ما بعثناكم لتتجروا بأموال المسلمين " . وكان يقول لمن يتعلل بالتجارة في أحراز الأموال : " إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارا " ( 1 ) . وقد يرد على ذلك : إذا كان أبو هريرة على ما وصفت من تاريخه فكيف يوليه عمر على البحرين ؟ إنه لم يفعل ذلك إلا لان له شأنا وقدرا ؟ والجواب عن ذلك ظاهر لا يحتاج إلى بيان ، ذلك بأن سنة عمر في استعمال الولاة كانت تقضى بأن لا يستعمل كبار الصحابة ، حتى لا يدنسهم بالعمل . أو لكي يمسكهم بالمدينة ليكونوا بين يديه ، حتى لا يخرجوا عليه وإنما يستعمل صغارهم كما ستعرف ذلك فيما بعد ، فاستعمال أبي هريرة على هذه السنة لا يكون مستغربا ، هذا ولا يتوهمن أحد ، أو يظن إنسان أن عمر قد استعمله عن جهل به ، أو نسيان لتاريخه ، وكيف ينسى ما وقع له نفسه منه أيام كان يعيش في الصفة فقد كان يلاحقه في طريقه ، ويضايقه في سيره ، فلا يجد سبيلا إلى التخلص منه إلا بأن يدخل داره ويغلق الباب في وجهه ( 2 ) ، وكان لا يخفى عليه أن النبي صلى الله عليه وآله قد أخرجه من المدينة بعد أن ظهر منه ما ظهر مما أضجر الناس منه . فإذا كان عمر قد استعمله بعد كل ما بيناه ولم نبينه من تاريخه ، فإنما يكون ذلك على ظن منه وأمل بأنه - بما قضى مع العلاء بن الحضرمي قرابة اثنتي عشرة سنة ملازما له في الصلاة ، وبما شهد من أعماله الصالحة وأحكامه العادلة ، قد يكون اكتسب شيئا من الدراية والخبرة ، فيضطلع بأعباء الولاية كما يجب أن يكون عليه الوالي الصالح النزيه ، وأنه سيأخذ نفسه بأن يجعل من العلاء قدوة صالحة له حتى لا يبدو عواره للناس إذا هو أعوج أو مال عن سيرة سلفه .

--> ( 1 ) ص 62 من كتاب توحيد الأمة العربية . ( 2 ) وكذلك كان الامر مع أبي بكر وغيره ممن يضايقهم أبو هريرة بإلحاحه .