محمود أبو رية
49
شيخ المضيرة أبو هريرة
حياة أبي هريرة بعد إسلامه في المدينة : لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة بعد فتح خيبر رجع معه أبو هريرة فيمن رجعوا - كان الظن أن يتخذ سبيله وهو بالمدينة إلى السعي في مناكب الأرض ليأكل من رزق الله ، إما بالصفق في الأسواق ، أو بالزرع في الأرض ، كما كان يفعل غيره . لكي يعيش عيشة كريمة ، ولكنه تنكب طريق العمل واتخذ سبيله إلى مثابة ليس لمن يؤمها أي عمل إلا أن يتلقى ما تجود به نفوس المحسنين من فضلاتهم وصدقاتهم ، التي سماها النبي أوساخا - فيطعم هو ومن معه من الذين أخلدوا إلى الخمول والكسل ، شأن سكنة التكايا والخوانق ، وقد فعل ذلك ليثبت بفعله ما أعلنه بقوله : من أنه خدم النبي لملء بطنه ، ولو أنه آثر الأجدر بالرجال ، والأخلق بالذين يحافظون على كرامتهم - أو لو أنه اتبع ما رواه هو عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله صلى الله عليه وآله : والذي نفسي بيده لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيأكل - خير له من أن يأتي رجلا أغناه الله من فضله فيسأله ، أعطاه أو منعه ( 1 ) . لو أنه فعل ذلك لوجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ، ولعاش كريما ، عيشة رغدا ! ولكنه اختار أن يسأل الناس فهذا يعطيه - وهذا يمنعه ، كما صرح هو مرارا فيما ستقرؤه من بعد . وانظر الفرق بينه وبين غيره مثل عبد الرحمن بن عوف ، الذي آخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع ، وكان ذا غنى . فقال له سعد : أقاسمك مالي نصفين وأزوجك ! فقال له عبد الرحمن بن عوف ، بارك الله لك في أهلك ومالك . دلوني على السوق ( 2 ) . ومن يقرأ ما صرح به أبو هريرة مرارا عن نفسه ، وما وصف من سوء حاله ، يتبين له أن معيشته كانت ضنكا أيام إقامته بالمدينة في عهد النبي ، حتى لقد بلغ من شدة بؤسه وفاقته ، أن كان يصرع من الجوع ، حتى وصف بعضهم هذا الصرع بالجنون .
--> ( 1 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم . ( 2 ) ص 232 ج 4 من فتح الباري .