محمود أبو رية
41
شيخ المضيرة أبو هريرة
وثبتت دعائمه ، وبسط على أرجاء الأرض جناح سلطانه ، وأصبح كل من اتبعه وصدق بدعوته آمنا مطمئنا لا يخشى ظلما ولا رهقا . حينئذ طابت نفسه ، واطمأن قلبه ، وذهب الخوف عنه . ولم يلبث أن ركب رجليه واتخذ طريقه إلى النبي ليخدمه على ملء بطنه ، ويملأ يده من مغانمه ، ويسكن المأوى الذي أعده للفقراء من أتباعه . وكان ذلك في شهر صفر سنة 7 ه . وكان له ما أراد عندما اتصل بالنبي ، وحقق كل ما كان يبتغيه ، فأطعمه النبي ومن عليه بالعطاء من غنائم خيبر - وهو لم يشهدها - ، وأسكنه المأوى الذي أعده للفقراء وهو الصفة ( 1 ) . وما نذكره هنا أمر ثابت لم نتهمه به ، ولم نفتر عليه فيه ، ذلك بأنه قد اعترف هو مرارا بأنه قد خدم النبي على ملء بطنه وستري ذلك مبينا في مكانه من هذا الكتاب ، واعترافه الصريح من أول يوم لقي فيه النبي . وما كاد يملا عينه من رؤية مغنم خيبر حتى رنا إليها ، وطالب بنصيب فيها ، على حين أنه لم يشهدها ، وله في ذلك قصة ستقف عليها في موضعها من هذا الكتاب . والذي نستطيع أن نقطع به ونحن مطمئنون إليه بما تبين لنا من القرائن والأدلة الصحيحة وما بدا من اعترافاته الصريحة أن أبا هريرة - إنما كان يبتغى من قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحقق مطامعه الشخصية ، ومآربه الذاتية لا ليلتمس أن يتفقه في الدين كما يفعل غيره من الذين أسلموا مخلصين . ولعلك ترى الفرق الهائل بينه وبين غيره من الذين كانوا يقدمون على النبي عن طواعية ، مخلصة قلوبهم ، راضية نفوسهم بالدين الحنيف . ولنضرب لذلك مثلا واحدا من أمثله كثيرة لا تحصى . ذلك هو مثل إياس بن عمير الحميري الذي قدم وافدا على النبي في نفر من حمير - إذ بينما نجد أبا هريرة يصرح تصريحا لا لبس فيه ولا إبهام بأنه قد جاء إلى النبي ليخدمه على ملء بطنه ، إذ بهذا الحميري ومن معه يقولون للنبي :
--> ( 1 ) زعم أبو هريرة أنه كان عريفا لأهل الصفة واعتمد المؤرخون على روايته وحده في ذلك ولكن لم يأت في ذلك خبر صحيح من غيره .