محمود أبو رية

35

شيخ المضيرة أبو هريرة

تمهيد قبل أن نمضي في الحديث عن تاريخ أبي هريرة ، نرى من التدبير أن نقدم بين يدينا صدرا وجيزا من القول عن الدعوة الاسلامية ، ومن تصدى لها من أعدائها في أول أمرها ، لنمهد به إلى ما نحن بسبيله من غرضنا . ذلك بأن أبا هريرة هذا الذي نؤرخ له قد عاش بجوار صاحب هذه الدعوة صلوات الله عليه وقتا ما . وقد اصطلحوا على أن يجعلوا مثله من صحابته - ثم انقلب بعد ذلك فاتصل بمن كانوا أكبر أعداء الدعوة المحمدية وصاحبها من أول ظهورها ، فظاهرهم ، وسار تحت رايتهم ، ونال جزاءه على ذلك من رفدهم ونوالهم كما سنبينه بعد . بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، ويهديهم بإذنه إلى الصراط المستقيم . كان يدعو إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ويأمر بالعدل والاحسان وعمل الخير ، واجتناب الشر ، وما إلى ذلك من الاغراض النبيلة ، والمقاصد الجليلة ، التي تكفل للانسان السعادة في دنياه وآخرته . وإذا كان الأساس الأول للدعوة الاسلامية هو عبادة الله وحده وترك الشرك في جميع مظاهره ، فإن أهم غرض يرمى إليه الدين بعد ذلك ، هو إنصاف أهل الفقر من أهل الغنى ، وأن يكون الناس جميعا سواسية في الحقوق الاجتماعية والسياسية . ومن أجل ذلك كان أول من ثار على هذه الدعوة الأغنياء ، ذوو الثراء ، وبخاصة بنو أمية وبنو أبى معيط ، وهم الذين كانوا مسيطرين على مكة حينئذ ، وسنعقد فصلا خاصا لدولتهم وكيف نشأت . أما الفقراء والمساكين فقد استبشروا بدعوة محمد صلى الله عليه وآله والتفوا حوله ، وأيقنوا أنهم بفضل دينه سينالون في الحياة حقهم الذي كتب الله لهم ، وأنهم سيعيشون كما يعيش الناس سعداء مطمئنين .