محمود أبو رية

270

شيخ المضيرة أبو هريرة

وكان كثيرا ما يتعاون هو وشيخه على صوغ هذه الغرائب ليستحوذ بها على قلوب الناس وعقولهم ، فيكون له بذلك شأن ومكانة بينهم . وقد حدثناك من قبل عن ناحية من شخصيته وبينا لك أنه كان مصابا بمرض ( مركب النقص ) فارجع إلى ذلك لكي تستوفى دراسة شخصيته كلها ، وتتجلى لك نفسيته على حقيقتها . وإذا كانوا قد اتهموه كما بينا لك من قبل في بعض رواياته بل كذبوه ! فإننا نقول لأهل عصرنا ولمن يأتي بعدهم : إنه إذا وجد واحد منهم شيئا في هذه المرويات مما يباين العقل الصريح . أو العلم الصحيح ، أو الحس ، أو العيان ، أو ما أثبتته البراهين العقلية أو التجارب العلمية ، أو مخالفا لنص القرآن الكريم ، أو الذوق السليم أو يصادم النواميس الكونية ، والاغراض العليا التي يرمى الاسلام إليها ، أو نحو ذلك مما يحرج الصدر ، أو لا يطمئن به القلب ، وتسكن إليه النفس فليطرحه جانبا . وليس عليه في ذلك بأس ولا تثريب . ذلك بأنه صلوات الله عليه لا يصدر منه إلا القول السديد ، والامر الرشيد ، والعمل الحميد : وإذا قال قائل : وماذا نصنع فيما جاء من مثل ذلك عن غير أبي هريرة مثل أنس وجابر وعكرمة وغيرهم . فنقول له : إن الشأن فيه يكون كالشأن في مرويات أبي هريرة سواء بسواء ، ونحن لم نخص أبا هريرة بالعناية إلا لأنه كان أكثر الصحابة تحديثا عن النبي صلوات الله عليه ، وجاء في رواياته من الاشكالات والخرافات ما لم يأت مثله من غيره ، مما كان مدعاة لان يتخذ منها أعداء الدين مآخذ على الاسلام لا تزال قائمة إلى اليوم وبعد اليوم . ولقد صرح الأئمة " بأنه ليس من أصول الايمان ، ولا من أركان الاسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث جاء في كتب السنة المشهورة لدى الجمهور " . ذلك بأن أحاديث هذه الكتب قد جاءت من طريق ( الآحاد ) الذي يفيد ( الظن ) - والظن لا يغنى من الحق شيئا - ولذلك لا يؤخذ بها في العقائد التي لا تكون أدلتها إلا من الخبر ( المتواتر ) وليس هناك أخبار متواترة إلا ما جاء في ( القرآن الكريم ) .