محمود أبو رية
251
شيخ المضيرة أبو هريرة
صحيح فمرادهم - فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد ، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة ، هذا هو الصحيح عند أهل العلم المحققين ، ولهذه القاعدة قال ابن أبي ليلى : لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع ! وقال الإمام أبو حنيفة في سبب رده لبعض الأحاديث : " ردى على كل رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن ، ليس ردا على النبي ، ولا تكذيبا له ، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل ، والتهمة دخلت عليه ليست على نبي الله ، وكل شئ تكلم به النبي فعلى الرأس والعين ، قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال " . على أننا إذا سلمنا - كما قلنا - بأن النبي صلى الله عليه وآله قد نطق بهذا الحديث ثم أثبت العلم ( ضرر الذباب ) فليس علينا بأس من الرجوع عنه ، وعدم الاخذ به ، لأنه من أمور الدنيا ولنا في ذلك أسوة حسنة بما فعل النبي نفسه صلى الله عليه وآله حينما رأى أهل المدينة يؤبرون النخل فأشار عليهم بترك تأبيره - ولما ثبت بعد ذلك ضرر عدم التأبير وخرج التمر شيصا ، قال لهم حديثه المشهور " إنما ظننت ظنا ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به " ، وفى رواية " إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر " . ثم ختم كلامه بهذه القاعدة العامة الجليلة التي يجب أن تكون دستورا للمسلمين على مد العصور ، والتي تثبت بحق أن الدين الاسلامي صالح لكل زمان ومكان . وإنه صديق العلم وعدو الجهل ، وهذه القاعدة هي " أنتم أعلم بأمر دنياكم " . أما راوي هذا الحديث وهو ( أبو هريرة ) فقد ردوا له أحاديث كثيرة في حياته وبعد مماته ، حتى من التي صرح بأنه سمعها من النبي مثل حديث : خلق الله التربة يوم السبت ( 1 ) . وإنا نكتفي اليوم بهذه الكلمة القصيرة ونشكر لحضرة النطاسي البارع
--> ( 1 ) ممن اعترضوا على حديث الذباب في عصرنا الدكتور محمد توفيق صدقي .