محمود أبو رية
193
شيخ المضيرة أبو هريرة
" ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر " . أنكر على عثمان أن يعطى مروان بن الحكم والحارث بن الحكم ، وزيد بن ثابت الأنصاري ما أعطاهم من مئات الألوف من الدراهم ، وتلا قول الله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " . وجرت بينه وبين عثمان محاورة في ذلك فأمر عثمان بأن يحلق بالشام فلم يلبث هناك بعد ما رأى من فعلات معاوية ما رأى ! أن ينكر عليه ، فأراد معاوية أن يقطع لسانه بثلاثمائة دينار ! فكان جوابه ، إن كان هذا من عطائي قبلتها ، وإن كانت جعلة فلا حاجة لي فيها ! ولما بنى معاوية قصر ( الخضراء ) بدمشق قال له : يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا هو الاسراف ، وكان يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ! والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيا ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى . وكان الناس يجتمعون عليه ، فنادى معاوية ، أن لا يجالسه أحد . ولما اشتد إنكاره عليه كتب إلى عثمان : أن أبا ذر قد أفسد على الشام ! فكتب عثمان إلى معاوية : أحمل جندبا ( 1 ) على أغلظ مركب وأوعره ، فوجه معاوية من سار به الليل والنهار ، ولم يكد يصل إلى المدينة حتى تسلخت أفخاذه وكاد يهلك ، ولما قابل عثمان وذكر له ما يفعله معاوية ، أمر بتسييره إلى الربذة ( 2 ) ، فلم يزل بها حتى مات سنة 31 - 32 رضي الله عنه وأرضاه . ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فلم يسلم عليه بالامرة ! فقال معاوية : لو شئت أن تقول غيرها لقلت ! قال سعد : فنحن المؤمنون ولم نؤمرك ، فإنك معجب بما أنت فيه ، والله ما يسرني أنى على الذي أنت عليه ، وأنى هرقت عليه محجمة دم ( 3 ) .
--> ( 1 ) هو أبو ذر . ( 2 ) الربذة قرية على نحو ثلاثة أيام جهة شرق المدينة على طريق حاج العراق وبها قبر أبي ذر . ( 3 ) ص 82 ج 1 أعلام النبلاء .