محمود أبو رية
188
شيخ المضيرة أبو هريرة
على أن ما كتبناه هنا ، وما نقلناه عن غيرنا في وصف معاوية لم يكن إلا ذروا قليلا من أعماله التي سجلها التاريخ الاسلامي على صفحاته مما لم يسجل مثله لاحد غيره . ولو أن كتابنا هذا قد كسر على تاريخ معاوية خاصة وما يحمل من قبائح لاستكثرنا من الشواهد والأدلة ، فيرجع إليها في مظانها . قال العقاد وهو يتكلم عن ناحية من سياسته ، وهي ناحية التفريق بين الناس : كانت له حيلته التي كررها وأتقنها وبرع فيها واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين ، وكان قوام تلك الحيلة ، العمل الدائب على التفرقة والتخذيل بين خصومه ، بإلقاء الشبهات بينهم ، وإثارة الإحن فيهم ، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه ، كان لا يطيق أن يرى رجلين ذوي خطر على وفاق ، وكان التنافس ( الفطري ) بين ذوي الاخطار مما يعينه على الايقاع بينهم ( 1 ) . ومضى معاوية على هذه الخطة التي لا تتطلب من صاحبها حظا كبيرا من الحيلة والروية - فلو أنه استطاع أن يجعل من كل رجل في دولته حزبا منابذا لغيره من رجال الدولة كافة لفعل ! ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرق الجماعات ، ولكن العبرة لقارئ التاريخ في زنة الأعمال والرجال أن نجد من المؤرخين من يسمى عامه حين انفرد بالدولة ( عام الجماعة ! ) لأنه فرق الأمة شيعا ، فلا تعرف كيف تتفق إذا حاولت الاتفاق ، وما لبث أن تركها بعده تختلف في عهد كل خليفة شيعا شيعا بين ولاة العهود ( 2 ) . وليس أضل ضلالا ، ولا أجهل جهلا من المؤرخين الذين سموا سنة ( أحد وأربعين هجرية ) بعام الجماعة لأنها السنة التي استأثر فيها معاوية بالخلافة فلم يشاركه أحد فيها ، لان صدر الاسلام لم يعرف سنة تفرقت فيها الأمة كما تفرقت في تلك السنة ، ووقع فيها الشتات بين كل فئة من فئاتها كما وقع فيها ،
--> ( 1 ) ص 64 . ( 2 ) ص 66 .