الفيض الكاشاني
44
قرة العيون في أعز الفنون ( كنگره فيض ) ( فارسى )
المختلفة بسهولة ، فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج . وعن الباقر ( ع ) : « إنّ الله تعالى قبل أن يخلقَ الخلق قال : كن ماءً عذباً أخلقُ منك جنّتي وأهل طاعتي ، وكن ملحاًأجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي ، ثمّ أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافراً والكافر مؤمناً » . « 1 » ويؤيّد هذا التّشبيه والتّجوّز ويشيّده ما يقال : إنّ نسبة المادّة إلى مقبولاتها الّتي هي لابستها وخالعتها من الصّور والأعراض نسبة البحر إلى الأمواج أن تعمّم المادّة الّتي عبّر عنها بلسان الشّرع بالماء بما يشمل مادّة الأرواح ، فإنّ التّحقيق الأتمّ يقتضي أن لا تخلو الأرواح أيضاً من مادّة هي منشأ إمكانها الذّاتي القابل للوجود الخاصّ ومبدء استعدادها الفطريّ لامتثال أمر « كن » في علم الله سبحانه ، فإنّ كلّ ممكن جسماً كان أو روحاً فهو زوج تركيبيّله عدم من نفسه ووجود من ربّه ، تميّز عدمه بذلك الوجود وتخصّص به ، أحدهما بمنزلة المادّة والآخر بمنزلة الصّورة ، وباعتبار تقدّم القابل على المقبول ورد : « أوّل ما خلق الله الماء » ، « 2 » ولكون القابل ليس من عداد المخلوق بل هو شرط له ورد : « أوّل ما خلق الله العقل » . « 3 » وفي كلام الإمام ( ع ) إشارة لطيفة إلى ذلك كما لا يخفى . وأمر الجهل بالإدبار أمر تكوينيّ « 4 » أي اهبط من عالم الملكوت والنّور إلى عالم الموادّ والظّلمات مصلحةً للنّظام وابتلاءً للأنام ؛ إذ نظام هذا العالم وعمارته لاينصلح « 5 » إلّا بنفوس شريرة وقلوب قاسية ، وتكميل السّعداء المهتدين لا يتمشّى إلّا بوجود الأشقياء المردودين ؛ ولأن يتحقّق مظاهر بعض الأسماء فيوجد آثارها كالعدل والمنتقم والجبّار والتّوّاب والغفور
--> ( 1 ) - الكافي : 2 / 6 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب آخر منه ، ح 1 ؛ في المصدر : يلد المؤمن الكافر ، والكافر المؤمن . ( 2 ) - تفسير النسفي : 3 / 151 ؛ تفسير القرطبي : 12 / 291 ؛ ( 3 ) - عوالي اللئالي : 4 / 99 ، الجملة الثّانية ، ح 141 ؛ بحار الأنوار : 1 / 97 ، كتاب العقل والجهل ، باب 2 ، ح 8 . ( 4 ) - في بعض النسخ : تكوين . ( 5 ) - في ، د : لا يتصلّح .