أبو نصر الفارابي
80
احصاء العلوم
ويبين أن منها ما هي في الحقيقة سعادة ، وأن منها ما هي مظنون أنها سعادة من غير أن تكون كذلك . وأن التي هي في الحقيقة سعادة لا يمكن أن تكون في هذه الحياة ؛ بل في حياة أخرى بعد هذه وهي الحياة الآخرة ، والمظنون به سعادة مثل الثروة والكرامة واللذات ، إذا جعلت هي الغايات فقط في هذه الحياة « 1 » ، ويميز الأفعال والسنن ، ويبين أن التي تنال بها ما هو في الحقيقة سعادة : هي الخيرات والجميلة والفضائل ، وأن ما سواها هو الشرور والقبائح والنقائص . وأن وجه وجودها في الإنسان أن تكون الأفعال والسنن الفاضلة موزعة في المدن والأمم على ترتيب وتستعمل استعمالا مشتركا ، وتبين أن تلك ليست تتأتى إلا برياسة يمكن معها تلك الأفعال والسنن والشيم والملكات والأخلاق في المدن والأمم ، ويجتهد في أن يحفظها عليهم حتى لا تزول . وأن تلك الرئاسة لا تتأتى إلا بمهنة وملكة « 2 » يكون عنها أفعال التمكين فيهم وأفعال حفظ ما مكن فيهم عليهم ، وتلك المهنة هي الملكية والملك أو ما شاء الإنسان أن يسميها ؛ والسياسة هي فعل هذه المهنة .
--> ( 1 ) يميز الفارابي بين السعادة الحقيقية والسعادة المظنونة . فالسعادة الحقة تنال بالأفعال الجميلة والفضائل ، والسعادة المظنونة هي التي يظن أنها تكمن في اللذة والثروة والكرامة . . . الخ . ( 2 ) الرئاسة لا تأتي إلّا بمهنة وملكة : يعني أن رئيس المدينة الفاضلة أو الأمة الفاضلة ينبغي أن يتوافر فيه شرطان : استعداد طبيعي أو ملكة ، ومعرفة مكتسبة بالتعلم والممارسة ( مهنة ) .