أبو نصر الفارابي
6
احصاء العلوم
« إحصاء العلوم » . فالإحصاء يقتضي وجود موضوعه ، وتنوعه ، وكثرته وثرائه ، لأن ما هو قليل ومحصور لا يتطلب عملية الإحصاء . والفارابي لم يحص جميع الكتب التي كانت رائجة في عصره وإنما اكتفى بتعداد العلوم والتعريف بها تعريفا مقتضبا . والرجل الذي اضطلع بهذه المهمة الصعبة والرائدة والأكثر نفعا هو ابن النديم ( ت 385 ه ) الذي عاصر الفارابي وألف كتابه الشهير المعروف ب « الفهرست » . وفي هذا الكتاب نجد تعدادا للعلوم وتعريفا بها كما هو الحال في كتاب الفارابي ، ونجد على ذلك إحصاء للكتب المصنفة في كل علم من العلوم . ولا ندري إذا كان الفارابي اطلع على كتاب الفهرست لابن النديم وأفاد منه ، لأنه لم يشر إليه من قريب أو بعيد . وثمة سبب آخر حفز الفارابي على تأليف كتابه هو الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي تأثر به شديد التأثر ، وحاز على إعجابه ، واقتفى أثره في معظم آرائه الفلسفية . لقد اهتم أرسطو بتصنيف العلوم فقسمها إلى نظرية وعملية ، وقسم النظرية إلى ثلاثة هي الطبيعة والرياضة والإلهيات . وقسم العملية إلى ثلاثة علوم أيضا هي علم الأخلاق ، وعلم السياسة المدنية ، والفن . والفرق بين أرسطو والفارابي هو أن الأول وضع أسسا لتصنيف العلوم لم يبن عليها الفارابي إحصاءه . لقد قال أرسطو إنّ الفرق بين النظري والعملي هو أن النظري يعلم فقط ، أما العملي فيعلم ويعمل به . وقال إن الفرق بين علم الطبيعة والرياضة والعلم الإلهي يرجع إلى الموضوع ، فموضوع العلم الطبيعي الجوهر المحسوس المتحرك ،