أبو نصر الفارابي
42
احصاء العلوم
بالخبر وأشفى ، ويكون سكون النفس إلى ما يقال أشد ؛ غير أنها على تفاضل إقناعاتها ليس منها شيء يوقع الظن القوي المقارب لليقين . فبهذا تخالف الخطابة الجدل في هذا الباب . والأقاويل الشعرية - هي التي تؤلف من أشياء شأنها أن تخيّل في الأمر الذي فيه المخاطبة خيالا ما أو شيئا أفضل أو أحسن . وذلك إما جمالا أو قبحا ، أو جلالة أو هوانا ، أو غير ذلك مما يشاكل هذه . ويعرض لنا عند استعمال الأقاويل الشعرية عند التخيل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض لنا عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما يعاف ، فإنّا من ساعتنا يخيل لنا في ذلك الشيء أنه مما يعاف فتقوم أنفسنا منه فتجتنبه وإن تيقنا أنه ليس في الحقيقة كما خيل لنا « 1 » ، فنفعل فيما تخيله لنا الأقاويل الشعرية ، وإن علمنا أن الأمر ليس كذلك ، كفعلنا فيها لو تيقنا أن الأمر كما خيله لنا ذلك القول : فإن الإنسان كثيرا ما تتبع أفعاله تخيلاته أكثر مما تتبع ظنه أو علمه ، فإنه كثيرا ما يكون ظنه أو علمه مضادا لتخيله ؛ فيكون فعله الشيء الذي بحسب تخيله لا بحسب ظنه أو علمه ، كما يعرض عند النظر إلى التماثيل المحاكية للشيء ، وإلى الأسماء الشبيهة بالأمور .
--> ( 1 ) يركز الفارابي على الصفة المميزة للشعر وهي التخيل أو الخيال . فالشاعر لا يتوجه لاستمالة السامع إلى عقله ، وإنما يتوجه إلى خياله يحثه ويثيره ويصور له الأمور كما يراها هو ، ليتمثل السامع به . فهو لذلك يصف المسألة أو المنظر أو القضية أو يصورها تصويرا يثير السامع ويحمله على العمل الذي يتوخاه الشاعر منه .