أبو نصر الفارابي
31
احصاء العلوم
صواب من أصاب منهم كيف أصاب ، ومن أي جهة أصاب ، وكيف صارت حجته توجب صحة رأيه ، ولا على غلط من غلط منهم ، أو كيف غلط ، ومن أي جهة غالط أو غلط ، وكيف صارت حجته لا توجب صحة رأيه : فيعرض لنا عند ذلك : إما أن نتحير في الآراء كلها حتى لا ندري أيها صحيح وأيها فاسد ؛ وإما أن نظن أن جميعها على تضادها حق ، أو نظن أنه ليس ولا في شيء منها حق ، وإما أن نسرع في تصحيح بعضها وتزييف « 1 » بعضها ، ونروم تصحيح وتزييف ما تزيف من حيث لا ندري من أي وجه هو كذلك ، فإن نازع منازع فيما نصححه أو نزيفه فلم يمكنا أن نبين له وجوه ذلك ، وإن اتفق فيما صححناه أو زيفناه شيء هو في الحقيقة كذلك لم نكن على يقين في شيء من هذين أنه في الحقيقة كما هو عندنا ، بل نعتقد ونظن في كل ما هو صحيح عندنا عسى أن يكون فاسدا ، وفيما هو عندنا فاسد عسى أن يكون صحيحا ، وعسى أن نرجع إلى ضد ما هو الحق عليه في الأمرين جميعا ، وعسى أن يرد علينا وارد إما من خارج أو من خاطر يسنح في أنفسنا ، فيزيلنا عما هو عندنا اليوم صحيح أو فاسد إلى ضده . وكان جميع ذلك كما يقال في المثل - حاطب الليل « 2 » . وهذه الأشياء تعرض لباقي الناس دليل عون عندنا بالكمال في العلوم ، فإنا إن جهلنا المنطق ولم يكن معنا ما نمتحنهم فيه ، فإما أن
--> ( 1 ) تزييف بعضها : إظهار زيفه وبطلانه . ( 2 ) حاطب الليل : الذي يخلط في كلامه ، لأن حاطب الليل ( الذي يجمع الحطب ) لا يبصر ما يجمع في حبله من الحطب فيخلط بين الجيد والرديء .