أبو نصر الفارابي

18

احصاء العلوم

والأشياء المفردة الكثيرة إنما تصير صنائع بأن تحصر في قوانين تحصل في نفس الإنسان على ترتيب معلوم . وذلك مثل الكتابة والطب والفلاحة والنجارة وغيرها من الصنائع كانت عملية أو نظرية . وكل قول كان قانونا في صناعة ما ، فإنه معد بما هو قانون لأحد ما ذكرنا أو لجميعه . فلذلك كان القدماء يسمون كل آلة عملت لامتحان ما عسى أن يكون الحس قد غلط فيه من كمية جسم ، أو كيفيته ، أو غير ذلك مثل الشاقول ، والبركار ، والمسطرة ، والموازين - قوانين « 1 » . ويسمون أيضا جوامع الحساب ، وجداول النجوم - قوانين « 2 » . والكتب المختصرة التي جعلت تذاكير الكتب الطويلة - قوانين ، إذا كانت أشياء قليلة العدد تحصر أشياء كثيرة ، ويكون تعلمنا لها وحفظنا إياها - وهي قليلة العدد - قد علمنا أشياء كثيرة العدد : ونرجع الآن إلى ما كنا فيه فنقول : إن الألفاظ الدالة في لسان كل أمة ضربان : مفردة ، ومركبة . فأما المفردة : كالبياض ، والسواد ، والإنسان ، والحيوان . والمركبة : كقولنا الإنسان حيوان ، وعمرو أبيض « 3 » .

--> ( 1 ) القانون : آلة لقياس الأشياء مثل الميزان والمسطرة والشاقول . ( 2 ) القانون : قواعد العلم مثل جوامع الحساب ، وجداول النجوم . هذه هي المعاني التي أعطاها الفارابي لكلمة قانون . أما المعجم فيقول إن القانون يعني الأصل ، ومقياس كل شيء ، وإحدى آلات الطرب ، ومجموعة الشرائع والنظم التي تنظم علاقات المجتمع . ( 3 ) يستعمل الفارابي المصطلح الفلسفي ، لا اللغوي . وهو يعني بالألفاظ المركبة الجملة ، أو الكلام المركب من عدة ألفاظ .