أبو نصر الفارابي

16

احصاء العلوم

والرابع - في العلم الطبيعي وأجزائه ، وفي العلم الإلهي وأجزائه . والخامس - في العلم المدني وأجزائه ، وفي علم الفقه ، وعلم الكلام . وينتفع بما في هذا الكتاب الإنسان إذا أراد أن يتعلم علما من هذه العلوم وينظر فيه ، علم على ما ذا يقدم ، وفي ما ذا ينظر ، وأي شيء سيفيده نظره ، وما غناء ذلك ، وأية فضيلة تنال به ، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة ، لا على عمى وغرر . وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقيس « 1 » بين العلوم ، فيعلم أيها الأفضل ، وأيها أنفع ، وأيها أتقن وأوثق وأقوى ، وأيها أوهن وأوهى وأضعف . وينتفع به أيضا في تكشّف من ادعى البصر « 2 » بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك : فإنه إذا طولب بالإخبار عن جملة ما فيه ، وبإحصاء أجزائه وبجمل ما في كل جزء منه ، فلم يطّلع بين كذب دعواه وتكشف تمويهه . ويتبين أيضا فيمن يحسن علما منها هل يحسن جميعه ، أو بعض أجزائه ، وكم مقدار ما يحسنه . وينتفع به المتأدب المتفنن الذي قصده أن يشدو « 3 » جمل ما في كل علم ، ومن أحب التشبه بأهل العلم ، ليظن أنه منهم .

--> ( 1 ) يقيس بين العلوم : يقارن بينها ويقابلها ليعرف أيها أفضل . ( 2 ) البصر : المعرفة ، والعلم بالشيء . ( 3 ) يشدو : من شدا شدوا ، أي جمع قطعة من الإبل وساقها ، ويقال لمن أخذ طرفا من العلم أو الأدب واستدل به على البعض الآخر ، إنه يشدو . ويقال : شدا من العلم شيئا : أخذ فهو شاد - ج شداة وشادون . والشدو : القليل من كل شيء .