أبو علي سينا

مقدمة 3

منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق

الزاهد ) وكنت من أجود السالكين ، وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به . ثم ابتدأت بكتاب ( إيساغوجي ) على الناتلي ولما ذكر لي حد الجنس انه « هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو » فأخذت في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله ، وتعجب مني كل العجب ، وحذر والدي من شغلي بغير العلم . وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرا منه ، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه ، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبرة . ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي ، وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق وكذلك ( كتاب أقليدس ) فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره . ثم انتقلت إلى ( المجسطي ) ، ولما فرغت من مقدماته ، وانتهيت إلى الاشكال الهندسية قال لي الناتلي : « تول قراءتها وحلها بنفسك ، ثم اعرضها علي لأبين لك صوابه من خطئه » وما كان الرجل يقوم بالكتاب ، وأخذت أجل ذلك الكتاب ، فكم من شكل مشكل ما عرفه إلى وقت ما عرضته عليه وفهمته إياه . ثم فارقني الناتلي متوجها إلى ( كركانج ) واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح : من الطبيعي والإلهي ، وصارت أبواب العلم تنفتح علي . ثم رغبت في ( علم الطب ) ، وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه . وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة ، فلا جرم اني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرؤون علي علم الطب . وتعهدت المرضى ، فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة . ثم توفرت على العلم والقراءة سنة ونصفا فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة ، وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغلت في النهار بغيره ، وجمعت بين يدي ظهورا ، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية