حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

70

شاهنامه ( الشاهنامه )

قيصر فبادره الحرس وجاءوا به . فلما وقعت عينه وعلى وجه الملك بكى وأهوى بوجهه إلى الأرض . فقال له سابور : يا مادة الشر ويا عدوّ اللّه ، الذي يثبت الولد لمن لا شريك له وليس لملكه بداية ولا نهاية ! إن كنت من القياصرة فأين ذهب عقلك ورأيك حين حضرتُ في زي تاجر بين يديك غير جالب إليك شرا فقابلت حق وفادتي عليك بإخفار الذمار ، وأدرجتني في جلد الحمار . فسوف تذوق وبال أمرك ، وتصلى بما أوقدت من جمرك . فقال : أيها الملك ! من الذي يقدر على مخالفة القدر المقدور ، وينجو من القضاء المحتوم ؟ والآن إن قابلت الإساءه بالحسنى حصلت ذكر الانيسى ، وأدركت ما تريد وتهوى . وإنك إذا آمنتني واستبقيتني سلمت إليك مقاليد كنوزى ، وأصبحت لك عبدا لا أخالف لك أمرا . فاقترح سابور عليه أن يرد جميع أسارى إيران ، وجميع ما أخذ منها من مال وغيره ، وأن يعمر البلاد التي خربها ويغرس الأشجار التي قلعها ، وأن يسلم اليه عن عرض كل رجل قتل من الإيرانيين عشرة من رجال الروم . ثم أمر به فشقت أذناه وثقب أنفه وخزم بخزام وقيد بقيدين ثقيلين وأودع الحبس . قيادة سابور الجيش إلى بلاد الروم وقتاله لأخي قيصر ثم إنه أمر كتاب الجيوش بجمع العساكر وإطلاق أرزاقهم . ثم سار فيهم قاصدا قصد بلاد الروم كالنار المحرقة لا يبقى ولا يذر . فلما بلغ الروم أظلمت الدنيا في عيونهم إذ لم يجدوا من يقوم بأمورهم . فاجتمعوا على أخ لقيصر أصغر منه يسمى يأنس فملكوه عليهم فخرج بالصليب الكبير ، والعدد الكثير مستعدّا للقاء سابور . فلما التقوا جرت بينهم وقعة عظيمة فغلبت الروم وأصبح يأنس من الظفر يائسا ، وصار غرس سعادته يا بسا ، وانهزم بمن معه . فتبعهم سابور وضع فيهم السيف وقتل منهم خلقا كثيرا وغنم غنائم لا يأتي عليها العدّ والحصر . ترشيح برانوس ملكا على بلاد الروم وبعثه رسالة إلى سابور فلما رأت الروم ما ابتلوا به من شر سابور اجتمعوا على برانوس وقالوا : إنه رجل عاقل قد جرب الأمور ومارس الدهور ، وجعلوه قيصر فتولى أمورهم وتقلد تدبيرهم . وعلم أنه لا يقدر على مقاومة سابور فكتب اليه كتاب ذي عجز وضراعة يذكر فيه أنهم مطيعون قائمون بتلافي خلل بلاد إيران وجبره . وشحنوا الكتاب بأنواع من الاستعتاب والاستعطاف . فلما وصل الكتاب إلى سابور أثر فيه وخفض منه ، وأجاب عنه وقال : إن كنت تسلك سبيل العقل فأقبل إلى الخدمة مع أساقفة الروم وفلا سفتها . وقد أمنتكم فكونوا آمنين . ذهاب برانوس مع كبار دولته للقاء بسابور وإمضاء معاهدة بينهما فلما وقف برانوس على جواب سابور أوقر ستين جملا من الجواهر والثياب ، واستصحب ثلاثين ألف دينار برسم النثار ، وركب في مائة نفس من الأساقفة والفلاسفة ، وحضروا باب سابور كاشفين ومتنصلين عن ذنوبهم . فأحسن إليهم سابور وأكرمهم . ثم شكا إليهم سوء صنيع قيصر في ممالك إيران وما خرب منها وأفسد . وقال : إني أريد منكم الآن عوضا عن ذلك . فقال له برانوس : ما الذي تلتمس ؟