حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
15
شاهنامه ( الشاهنامه )
من صاحبك ، وبما ذا يعرف بين الملوك ؟ ولولا روعة هذه الحضرة لقطعت رأسك كأترجة تقطف من شجرة . فصاحت عليه أمه وأمرت بإخراجه . وقالت : هل هو إلا رسول بلغ ما حمل ؟ ومن سمع برسول قتل ؟ ثم لما خرج ابنها قالت : إن هذا صبي نزق ، وأخاف أن يصيبك منه مكروه . وأنت أعقل الناس فأشر علىّ برأيك فيه . قال : فردّية إلى خدمتك . فأمرت بردّه إلى الحضرة . فلما عاد تملق له الرسول وفيّل رأى الإسكندر ، وسفه عقله في إنفاذه إلى تلك الحضرة بمثل تلك الرسالة . وأظهر بغضه له وكراهته لأمره . ثم قال له : إن أخذت بيد الإسكندر وأضعها في يدك أعزل فردا ليس معه سلاح ولا سكر فأي شيء يكون لي عندك ؟ فانخدع بما قال وسرّ به وقال : إن وفيت بذلك جعلتك على جميع عساكر الغرب أميرا واتخذتك دستورا . ثم قال له : وكيف تقدر على ذلك ؟ فقال : تنتخب ألف فارس من شجعان أصحابك ، وتأتى معي ، ومعك مال كثير وتحف فاخرة . فأتقدّمك اليه وأعمله بمجيئك وأحمله على أن يركب في جماعة من فلاسفته إلى استقبالك . فتخرج اليه من المكمن فتأخذه وترى فيه رأيك . فجعلت قيذافه تتعجب من حيله ، وتعض على شفتها وتبتسم . فتصافقوا على ذلك وخرج الإسكندر إلى منزله . معاهدة الإسكندر وقيدافة ملكة الأندلس ورجوعه إلى جيشه ولما أصبح عاد إلى الخدمة فدخل عليها وخلا بها فحلف باللّه وروح القدس ، قال : وبدين المسيح ولصليب الأكبر وسائر الأيمان المغلظة أنه بعد ذلك لا يقصد أرض الأندلس لا بنفسه ولا بعسكره ولا يغدر بولدها ، وأن يعاملها بالوفاء ولا يسلك معها طريق الجفاء ، وأن يكون لصديقها صديقا ولعدوها عدوا . فلما ظهر للملكة صدقه استحضرت أكابر حضرتها وأركان دولتها فجلسوا على كراسي من الذهب وضعت لهم في إيوانها . ثم أحضرت ابنيها وجميع أقاربها ثم فاوضتهم واستشارتهم فيما جاء به رسول الإسكندر ، وذكرت لهم أن مصالحته وأولى وأجدر ، وكف عاديته بالمال أحرى وأحزم . فاستصوبوا رأيها واستحصفوا عقلها ، ودعوا لها بحسن نظرها لهم . ثم إنها فتحت أبواب كنوزها ، وأخرجت تاج أبيها ، وكان مرصعا بجواهر لا يعرف قيمتها أحد . فقالت للاسكندر : إن هذا يصلح إلا لك . ولما رأيتك مستحقا لهذا التاج آثرتك به على ولدى . وأحضرت تختا في سبعين قطعة بعضها يركب في البعض عند نصبه ، وهو مرصع باللؤلؤ والياقوت والزبرجد يشتمل من كل جنس منها على أربعمائة قطعة وزانة . وكان حمل أربعين جملا . وأخرجت أربعمائة قطعة من أنياب الفيلة ، وأربعمائة عدد من جلود النمور البربرية ، وألف عدد من جلود الأول الملمعة ، ومن أنواع الثياب ثمانمائة