حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
9
شاهنامه ( الشاهنامه )
وغيرهم فعملوا صورا كثيرة على ذلك المنوال وحشوها بالنفط ، واجتروها إلى المعترك . بدأ الحرب بين الإسكندر وفور الهندي ومقتل فور على يدي الإسكندر ولما كان يوم القتال صف منها الإسكندر صفوفا مرصوصة فأقبل فور في جموعه وفيوله ، وشياطين رجاله وخيوله . فأمر الإسكندر بإلقاء النار في أجواف الصور فاضطرمت . فتقدّمت الفيلة فأشرعت خراطيمها نحوها لتختطفها . فلما وجدت مس النار نكصت على أعقابها ، وقلبت ظهر المجن ّ على أصحابها ، وأنحت عليهم بخراطيمها وأنيابها . فانهزموا وركب الإسكندر بأصحابه أكتافهم ، وأتبعهم إلى أن غربت الشمس فنزل بين جبلين ، وبث الطلائع وأمر بحفظ الطرق . ولما تنصب حاجب الشمس وتشعشعت أنوارها ارتجت الأرض بأصوات البوقات ونفخات القرون والنايات ، واصطفت عساكر الهند كظلمات بعضها فوق بعض . فتلقاهم الإسكندر بصفوفه وجنوده . فلما تقابل الفريقان وتوازى الجمعان خرج الإسكندر من الصف وبيده سيف منهد فنفذ فأرسل إلى فور يسأله أن يبرز اليه من الصف ويسمع كلامه شفاها . فخرج اليه فقال له الإسكندر : إني وإياك ملكان متنازعان وكل واحد منا يمت بشجاعته ، ويدل بقوّته فلا ينبغي أن يكون القتل والقتال نصيب عساكرنا . والرأي أن نتبارز ، وكل من غلب منا يكون له الأمر على عساكر صاحبه ، ليستريح هذا العدد الكبير والجم ّ الغفير من القتل والفتك . فأفكر فور فرأى نفسه في قوّته كركن من علم ، ورأى الإسكندر في نحافته كشقة قلم . ورأى تحته فرسا كثعبان ، ورأى تحت الإسكندر فرسا كقضيب بان . فاغتنم إجابته إلى المبارزة ، ووثق من نفسه . فتقدّم الإسكندر ، وكأنه خاطبه بما عبر عنه الشاعر حيث يقول : هلم إلى نحيف الجسم منى * لتنظر كيف آثار النحاف ألم تر أن طائشه لظاها * نتيجة هذه القُضُب العجاف ولى جسد كواحدة المثاني * له كبد كثالثة الأثافى قال : فتبارزا وتصاولا ساعة فأوجس الإسكندر خيفة في نفسه وندم على مبارزته إياه . فاتفق أن سمع الفور جلبا وشغبا من خلفه فالتفت فضربه الإسكندر بسيفه ضربة نزلت من عاتقه إلى صدره ، فخرّ قتيلا . وماج الهنود بعضهم في بعض فعزموا على الثبات للمحرب . فنادى منادى الإسكندر : يا أكابر الهند ! ما بالكم تقدمون على إراقة الدماء وتخوضون غمرة الهيجاء ؟ اعلموا أن الإسكندر قد صار فورا ، فلا تستشعروا منه حذارا ولا نفورا . واستأمنوا إليه ، وعوّلوا في حفظ نفوسكم عليه . فلما عملوا بقتل ملكهم طرحوا الأسلحة فبادروا إلى خدمة الإسكندر حاسرين ، وتمسكوا بعصم الأمان مستجيرين . فردّ الإسكندر عليهم أسلحتهم ، ووعدهم ومناهم وقال : إن