حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
386
شاهنامه ( الشاهنامه )
بساط النعم ، وآمناه من مخاوف النقم ، وأسونا كَلْمه ، ورقعنا خرقه . ومن لم يقابل أمرنا بالامتثال عركنا عرك الرحى للثفال . وأما دارا فإنه لم وصل إلى كرمان افتقد من أصحابه مقدار الثلثين . وجمع من حضره من وزرائه وقال لهم : ماذا ترون ، وبما ذا تعالجون هذا الداء العضال ؟ فقالوا : أيها الملك ! اتسع الآن خرقنا على الراقع ، وغمرتنا أمواج الدواهي والبواقع . وصارت نساؤنا وأولادنا في أسر الإسكندر وتحت يده . واحتوى أيضا على مخدّرات الملك وكنوزه وكنوزه آبائه الماضين وذخائر أسلافه الأكرمين . وقد انسدت علينا الأبواب سوى باب المسالمة والمداراة والرضى بأن تكون مرعيا لا راعيا ، ومحكوما عليه لا حاكما . فاكتب اليه في هذا المعنى كتابا تدفع به الشر عنك في العاجل إلى أن يفرج اللّه في الآجل . ولا يمتنعن الملك من مخاطبته بذلك ، ولا يضيقن به جنانه ، فإن من يذكر النار لا يحترق لسانه . رسالة الصلح يبعثها دارا إلى الإسكندر فكتب اليه كتابا مشحونا بالخضوع والضراعة والطواعية والاستكانة . فسأله فيه أن يكف حدّ بأسه عنه ويجنح معه إلى السلم ، ويعده فيه أنه إن ردّ اليه مخدّراته وحرائره سلم اليه دفائن كُشتاسب وذخائره ، ولا يخرج بعد ذلك عن طاعته ، ولا يعدل عما يعود بمظاهرته ومعاضدته . فلما وصل إلى الإسكندر كتابه كان من جوابه له أن قال : إن مخدرات الملك مستقرات بأصبهان . ومعاذ اللّه أن يتعرّض لهن ّ أحد ، أو يمتد إلى ذخائرهن ّ منا يد . وأنت إن نشطت إلى الرجوع إلى إيران فليس لك من ذلك مانع ولا دفع ، والممالك كلها لك وبحكمك ، ونحن مطيعون لأمرك . مقتل دارا على يد وزرائه فلما وصل الجواب إلى دارا قضى العجب من تصاريف الزمان ودوائر الحدثان ، وقال : أصعب من القتل عندي أن أشدّ في خدمة الرومي وسطى . وإذا آل الأمر إلى ذلك فالموت ولا هذا الصوت ، والقبر ولا هذا الصبر . وإذا طما البحر زاخر العباب فلا موقع عنده لقطر السحاب . ثم إنه لما عجز عن جميع وجوه الحيل كتب إلى فُور ملك الهند كتابا يذكر فيه ما دهاه من البائقة التي لم تبق له باقية ، والداهية التي صارت مُنّته لها واهية ، ويسأله أن ينجده على أن يحمل اليه من الجواهر ، ما يملأ . كنوزه ويغنى جنوده . فبلغ ذلك إلى الإسكندر فركب وطار بجناح الركض إلى كرمان ، فصافه دارا بمن كان معه من أصحابه فانتفضوا في أسرع من رجع الطرف ولمع البرق ، واستأمن إلى الإسكندر أكثرهم . وهرب دارا في ثلاثمائة فارس .