حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
349
شاهنامه ( الشاهنامه )
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلّب تارات بنا وتصرّف قال : فصاح عليهما إسفنديار ، وطردهما . فعرفته إحداهما بصوته ، وهي هُماى ، لكنها سترت وكتمت طلبا للستر عليه . وجَعلت تبكى وتذرف الدموع . فعلم إسفنديار بأنها قد عرفته فنحى طرف الكم عن وجهه وبكى ساعة . ثم قال لهما : اصبرا على ما تقاسيانه من الشدّة والبلاء أياما أخر . وصرفهما من عنده . ثم أغلق دكانه وجاء باب أرجاسب فدخل وقال : أيها الملك ! إنا لما توسطنا البحر في متوجهنا إلى هاهنا عصف علينا الهواء ، وهاج علينا البحر وأشرفنا على الموت . فنذرت أنى إن سملت عملت دعوة عظيمة . وأرجو أن يشرف الملك عبده ، ويحضر مع الأمراء والخواص . فأجابه الملك إلى ملتمسه ، وقال لأكابر أمرائه وأصحابه : احضروا غدا عند خُرّاد . فقال أيها الملك ! إن منزلي يضيق . فأَصعدُ السور وأوقد النار ، على ما يقتضى حال هذا النهر المبارك ، وأفرح الأمراء والحاضرين بالمنادمة على الشراب . فقال : الأمر إليك فافعل ما اشتهيت . فوثب مسرورا وأتى منزله وأمر بإصعاد الأحطاب إلى السور . فرّقوا اليه حطبا كثيرا . وذبح خيلا وغنما وأوقد النار حتى ارتفع الدخان واستوى الطعام . فحضر الملك والأمراء فطعموا وجلسوا للشراب . هجوم بشوتن أخي إسفنديار على القلعة النحاسية ولما جن الليل وثملوا انصرفوا فأشعل إسفنديار بقية الأحطاب ، واستنار الجوّ بضوء النار . وحين رأى الديدبان الموكل من جهة أصحاب إسفنديار ارتفاع الدخان بالنهار ، واسفنديار النار بالليل سعى إلى بِشوتَن أخي إسفنديار ، وأخبره بالحال . فأمر بدق الكوس إشعارا بالرحيل . فساروا يسوقون نحو القلعة . فأعلم أرجاسب بأن عسكرا عظيما قد قدم من إيران . فنادى في المدينة بالنفير . فكرب كُهرم بن أرجاسب في المقاتلة وخرج بهم . فصافوا الإيرانيين فرأى كهرم بشوتن أخا إسفنديار في القلب فحسبه إسفنديار . فالتقت الفئتان فقتَل نوشاذر بن إسفنديار طرخان أحد أمراء أرجاسب أو أولاده فانهزم كهرم موليا إلى القلعة ، وأخبر أباه بمكان إسفنديار وكونه صاحب الجيش القادم . ووصف له شكله وهيئته وعدّته . فاهتم لذلك ، وأمر جميع العسكر بالخروج من القلعة وبصدق القتال وبذل الوسع في الدفاع . فخرجوا عن آخرهم حتى خلت القلعة من المقاتلة .