حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

345

شاهنامه ( الشاهنامه )

النرجس ناظرة . فاستظل بظل شجرة ، وملأ جامه من الشراب وحطه بين يديه ، وأخذ المزهر فجس أوتاره وغنى بما يقرب معناه من قول مترجم الكتاب : يا طيب لذتنا بالأمس في نعم * بين المدام وبين الناى والعود في حجر سحارة الألحاظ فاتنة * كناعم من غصون البان أملود يا ليتها حضرتنى اليوم تطربنى * نفسي الفداء لها من غادة رود فلما سمعت الساحرة صوته استبشرت وفرحت وقالت : قد ظفرت بصيد . ثم تصوّرت في صورة حورية بيضاء ذات مقلة كحلاء وقامة ميلاء ، وتبرجت وحضرت لديه . فأظهر الفرح بها وساقها قدحا من ذاك الشراب . وكان معه سلسلة يزعم أن زردشت أتى بها أباه من الجنة . فألقاها على الساحرة وخنقها بها . فاستحالت في الحال في صورة سبع عظيم . فقال لها إسفنديار : لا تنفعك الآن معي حيلة ، ولا أهابك ولو صرت جبلا . فاظهرى في صورتك التي أنت عليها . فتبدّت عجوزا شوهاء شمطاء ، ومتقلصة المشافر ، غوليّة المعارى والمحاسر . فعلاها بالسيف وطير رأسها . المنزل الخامس قتل إسفنديار لطائر العنقاء فوصل بِشوتَن وأصحابه وخيموا في تلك الغيظة . وأمر إسفنديار بإحضار الأسير فسقوه ثلاثة أقداح من الشراب الخسرواني . ولما طابت نفسه قال له إسفنديار : انظر أيها الشقي ! إلى رأس الساحرة معلقا على تلك الشجرة ، وأخبرني عن المنزل الآخر وما يعترضنا فيه . فقال : إن الأرم فيه أصعب وأعظم . فكن فيه أيقظ وأحزم . إن أمامك غدا جبلا شاهقا عليه طائر يعرف بالعنقاء . وكأنه جبل يمرّ في الهواء . ولو رأت في الأرض فيلا تدلت عليه واختطفته بمخلبها ومزقته بمنسرها . ولها فرخان متشابهان يُسِفان إذا أسفت ، ويحلقان إذا حلقت . والأولى بك أن ترجع ولا تتعرّض لشرها . فقال إسفنديار : سأخيط جناحها بالنشاب ، وأقطع رأسها بالسيف . ثم لما أن رأى الليل قد اعتكر ارتحل بالعسكر وسار طول الليل حتى طلعت الشمس وارتفعت وصارت كتاج على قمة الجبل . فخلف العسكر وراءه واستصحب العجلة والصندوق . فرأتها العنقاء فانقضت عليها كأنها سحابة سوداء تغطي عن الشمس وتحجب ضوءها . فوقعت على العجلة لتنشب فيها مخالبها وتحلّق بها ، على عادتها في الصيد . فدخلت تلك النصول في أجنحتها ورجليها . فضعفت قواها وسقطت إلى الأرض تضطرب . وانسل إسفنديار من الصندوق ووضع فيها السيف ومزقها .