حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
338
شاهنامه ( الشاهنامه )
منهم على ذلك الطريق بعد أن حفروا دونهم حفيرة . فجاء أرجاسب بجنوده وأحاطوا بهذا الجبل من جميع جوانبه ، وحاصروهم وضيقوا عليهم حتى فنيت أقواتهم وكانوا يذبحون خيولهم ويزجون بلحومها أوقاتهم . فاستحضر كشتاسب جاماسب ، وقال له : أخبرني عن أسرار الفلك ، ودلني على من يكون معاضدى ومعاونى والآخذ بيدي حتى تنجلى عنى هذه الغمة ، وتنكشف عن وجه سعادتى الظلمة . فقال له جاماسب : إن كان الملك يصدّقنى ويقبل قوله فليعلم أنه لا يرزق الظفر على هذا العدوّ إلا بأن يطلق إسفنديار . فسر كشتاسب بذلك وقال : لقد ندمت في الساعة التي قيدوه فيها وسلسلوه ، على ما بدر منى في حقه ، وإصغائى إلى قول حاسده الذي قد ذاق وبال أمره - يعنى أنه قتل في تلك الوقعة - والآن من يقدر على المسير اليه ليطلقه من محبسه ؟ فقال جاماسب : أنا أتجرّد لذلك . فقال : افعل وبلغه منى السلام واعتذر اليه عما سبق ، وقل له يبادر ويتلافى هذه الدولة ويدفع عنها هذا العدوّ . وإلا زالت واضمحلت . ثم إني أشهد اللّه على نفسي وأشهدك أيها الحكيم العالم ! أنه إن فعل ذلك فوّضت اليه الملك ، واعتزلت منزويا في بعض المتعبدات كما فعل لهراسب . فلبس جاماسب قباء تركيا وتزيّا بزيهم ، ونزل من الجبل ليلا ، وتوسط عسكر أرجاسب وانسل فيما بينهم مجيء جاماسب الحكيم إلى إسفنديار وسار إلى القلعة التي كان فيها اسفنديار محبوسا . فلما وصل إليها دخل على اسفنديار وخدم وقبل الأرض ، وبلّغه سلام أبيه وأدّى اليه رسالته ، وأخبره بقتل لهراسب وإحراق بيوت النار وهدمها . وقتل الموابذة فيها وإطفاء النار الموقودة بها ، وسبى أختيه من مدينتهما . ثم أعلمه بما جرى على أبيه كشتاسب في الوقعة التي جرت بينه وبين أرجاسب ، وبمقتل إخوته الثمانية والثلاثين ، ثم انهزام كشتاسب وتحصنه بالجبل وإحداق عسكر العدوّ به وما هو فيه من الضيق والشدّة . فامتنع من الخروج وقال : إنهم لم يذكروني في الرخاء والرفاهية فلا أذكرهم في حالة البؤس . وحسبي هذا القيد شاهدا عند اللّه عز وجل على ظلم كشتاسب لي . رؤية اسفنديار أخيه فرشيذورد فجرت بينهما مفاوضات ومناظرات . ثم قال له : أما ترق لأخيك فرشيذَورد الذي لم يزل كان وقيذ القلب من أجلك متأسفا على فراقك ، وقد مزقوه في هذه الوقعة كل ممزق ؟ فأثره فيه هذا القول وقال : هلا أعلمتنى بهذا من قبل ! وغشى عليه . ثم لما أفاق بكى عليه ساعة . وأمر جاماسب باحضار الحدّادين ليفكوا عنه أغلاله وقيوده . فحضروا