حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
299
شاهنامه ( الشاهنامه )
باجتماع الملك الطارد والتالد . وأقام هذا الملك على تخت السلطنة ينهى ويأمر ، ويعطى ويمنع حتى استوفى ستين سنة من ملكه . ولما استوى شمس حاله ، وتسنم ذروة كماله آذنه داعى الرحيل بارتحاله . ذكر انقضاء مدّة الملك كيخسرو وخاتمة أمره يأس الملك كيخسرو وضجره من الحياة قال : ثم استولى على الملك كيخسرو الفكر في حاله وتقلُّب غِيَر الدهر به ، فجعل يقول في نفسه : إني قد طفت جميع المسالك والممالك ، وسخرت جميع ملوك الشرق والغرب ، ودخلت تحت حكمي ممالك والبر والبحر ، وقضيت أوطارى وأدركت ثاري فلا ينبغي أن يملك العجب مقادى ، ويستولى علىّ شيطان الطغيان فأصير مثل الضحاك وجمشيذ وأفراسياب وكيكاوس . فالأولى أن أبتهل إلى اللّه تعالى وأتضرع اليه فلعله يحوّلنى إلى دار القرار ، وينقلنى إلى جوار الأخيار » . فأمر حاجب بابه ألا يمكن أحدا من الدخول عليه . فأغلق الباب ، وحل الملك منطقته ، ولبث ثياب البياض . ودخل متعبدا له وجعل يناجى ربه ويستودعه دينه ونفسه ، ويسأله أن يرزقه قربه . فبقى أسبوعا قائما بين يدي ربه ليلا ونهارا يدعوه سرا وجهارا . فخرج في اليوم الثامن وقد ظهر عليه أثر الضعف من العبادة فجلس على تخته سؤال الملوك والأمراء والأعيان عن سر احتجاب الملك كيخسرو واختفائه عنهم وأمر الحجاب برفع الحجاب . فدخل عليه الملوك والأكابر خاضعين له وضارعين . وهم طوس وجوذَرز وجيو وبيژن وجُرجين ورُهّام . فلما رأوا وجه الملك سجدوا . ثم رفعوا رؤوسهم ودعوا له وأثنوا عليه وقالوا : أيها الملك ! إنك قد ملكت الأرض وأهلكت العدوّ فما من ملك إلا وهو في رق حكمت ، وما من مدينة إلا وهي تحت أمرك ، وما ندري من أي وجهة دخل على قلبك الفكر ، وقبض من عنان نشاطك الهم والحزن ، وهذا أوان تمتعك بالملك والمملكة وسرورك بالعز والسلطنة ؟ فإن كان قد صدر منا ما أوجب تغير خاطر الملك فليعلمنا لنسعى في إزالته ونعتذر . وإن كان له عدوّ كاشح فلا يخفيه عنا حتى نجتهد بأموالنا وأنفسنا في إبادته واستئصال شأفته . فقال الملك : أيها الأكابر ! إنه لم يظهر لي عدوّ ، ولا صدر من واحد منكم جرم . فاستمتعوا برغد عيشكم وطيب حياتكم . وأنا فإن لي إلى اللّه تعالى حاجة قد عرضتها عليه وأقمت في استنجازها أسبوعا بين يديه ، حياتكم . وسلوه فلعله يقضيها وسيجيب دعائي فيها » . فصرفهم بهذا الكلام وأمر حاجبه ثانيا فانتهوا اليه وسلوه فلعله يقضيها ويستجيب دعاء فيها » . فصرفهم بهذا الكلام وأمر حاجبه ثانيا أن يغلق الباب ويسبل الحجاب ولا يفتح اليه طريقا لأحد ، سواء كان من الأقارب أو كان من الأجانب . ودخل متعبده ، وخلا بنفسه يدعو اللّه تعالى ويتضرع اليه . إرسال الإيرانيين رسلهم إلى زال ورستم للمجيء إليهما فمضى عليه أسبوع آخر . وكان الملوك والأمراء يجتمعون على بابه ويضجون من طول احتجابه وامتناعه عن الظهور لأصحابه . فجلا طوس بجوذرز وخاضا في حديث الملك كيخسرو ، وذكرا ما استولى عليه من الضجر والسآمة ، وأخذا يجيلان