حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
285
شاهنامه ( الشاهنامه )
( ولم متصرف عنهما بوائق الزمان باعترافهما بطاعة الشيطان ) وكيف أصدق مقالك وأنا ذكر أفعالك ؟ ثم إنه ليس بيني وبينك إلا السيف . والسلام . قال : وخلع على جهن وأعطاه تاجا مرصعا بالجواهر وأعطاه قرطين وسوارين ، وردّه إلى أبيه . فلما وقف أفراسياب على جواب الرسالة احتدّ واحتدم ضراوة الحرب بين الملك كيخسرو وأفراسياب واستيلاء كيخسرو على مدينة جنة كنك وأمر العساكر بالإعداد فكانوا طول ليلتهم في أخذ الأهبة للقتال . ولما طلع الصبح دقت الكوسات والطبول فركب الملك كيخسرو وأمر رستَم وكُستَهم وجوذَرز فركبوا من الجهات التي تليهم ، فعملوا خندقا حوالي معسكرهم خوفا من البيات واهتبال الأتراك الغرة فيهم . فطاف الملك حول المدينة ، وأمر فنصبوا على كل باب من أبوابها مائتي عرّادة ومائتي منجنيق ، ووكّل بكل واحد منها جماعة من المقاتلين ، ورتب مائتي فيل لنقل الأعواد والأخشاب ، ورتب على كل باب مائتي رام من الرماة عن الجرخ . ثم إن النقابين تمكنوا من السور فعلقوا الأبراج من جوانب المدينة . وتنحى الملك إلى نحية من الصحراء ، ونزل وسجد للّه تعالى وسأله أن ينصره ويخذل عدوّه ويسهل عليه الفتح ويعجل له الظفر . ثم عاد ولبس جوشنه ، وأمر الأمراء الموكلين بجوانب المدينة بصدق اللقاء ، وإفراغ الوسع في الكفاح ، وأمر بإفراغ النفط على الأخشاب التي علق عليها الأبراج وطرح النهار فيها ، وبإعمال المجانيق والعرّادات معا على توافق وترادف . فانهدم ركن من أركان المدينة ، وحصلت به ثلمة فبادرها رستم بأصحابه . وبلغ الخبر بذلك إلى أفراسياب فأرسل إلى تلك الثلمة معظم عسكره وأمدّ كيخسرو رستم بالرجالة الكثيرة فم بالفرسان . فجرت عند ذلك وقعة عظيمة . فصعد رستم في الثلمة إلى السور ، ونكس راية سوداء كانت عليه من رايات أفراسياب ، ونصب عليه ثم الملك كيخسرو ، وأسر جهن من أفراسياب وكرسيوز أخاه . وهما البهلوان اللذان كان جدّ التورانيين بهما صاعدا ، وجمرهم واقدا . فدخل الإيرانيون إلى المدينة وبسطوا في أهلها يد الأسر والقتل والغارة والنهب . فارتفع بها ضجيج الرجال وصياح النساء ، وجعلت الفيلة تدوسهم بأخفافها وتخطفهم بخراطيمها وأنيابها . هروب أفراسياب من مدينة جنة كنك فصعد أفراسياب فوق قصره وأشرف على المدينة ، وشاهد ما جرى فيها فنزل وبكى على مسكنه ، وودّعه وخرج من باب سرّ فيه تحت الإيوان إلى الصحراء في جماعة من أصحابه وخواصه . ومضى ولم يعرف له خبر ، ولا وقف منه على أثر . ثم صعد كيخسرو في الحال إلى ذلك القصر المنيع ، ودخل إلى الإيوان الرفيع وجلس على تخت جدّه بسعادة ، جدّه ، ونقب عن أفراسياب ، وسأل أخاه كرسيوز وابنه جهنا عن مهربه ليغِذّ في أثره فلم يخبر بشيء من