حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
236
شاهنامه ( الشاهنامه )
هصور ، ذهبىّ اللون كأنه خلق من نور الشهاب أو لطخ بالعسجد المذاب ، ويمتد سائلا من كاهله إلى منقطع ذنبه خط أسود كالمسك السحيق ، ململم الكفل كالحصان الأشكل . وقد أغرى بالخيل يمزق كواهلها ويعيث فيها ويفسد . فعلم الملك أنه ليس حمار وحش فإن العير لا يبلغ في القوّة إلى ذلك الحد . فأشار على رستم بأن يتحمل الصداع في ذلك ويتجشم الاهتمام بكفاية شره ودفع معرته . وأوصاه بالتحفظ من شره . فقال رستم : إن عبيد الملك إذا تحصنوا بسعادته لم يفزعوا من جن ولا إنس . طلب رستم الجني وبحثه عنه فركب وخرج إلى تلك الصحراء فمكث ثلاثة أيام يدور في مروجها ومراعيها ويطلب ذلك العير فلا يجده . ولما كان اليوم الرابع ظهر له . فلما رأى رستم عبر عليه مارّا في سرعة الريح . فثوّر الرخش في أثره طامعا في اصطياده وحمله حيا إلى حضرة الملك من غير أن يصيبه بجراحة . فحل الوهق وعدى خلفه ليرميه عليه . فاختفى عند ذلك من عين رستم . فعلم أنه ليس بوحش ووقع في قلبه أنه أكوان الجنىّ . ثم رآه قد ظهر في آخر الصحراء . فوتّر قوسه وتوجه اليه . فلما قرب منه ورأى أنه أغرق في نزع القوس اختفى عنه . وبقي يركض خلفه ثلاثة أيام بلياليهن فغلبه النوم واحتاج إلى الطعام والشراب . فتبدى له روضة معشبة ذات أرض خوّارة وعين خرّارة . فنزل وخلع لجام فرسه ، وحط عنه سرجه ، وأرسله يرعى . وفرش اللبد على حافة الماء واتكأ ساعة فأخذه النوم . رمي أكوان الجني رستم في البحر فأتاه الجنىّ ولما رآه نائما في سلاحه لم يجسر على الدنوّ منه . فقورّ الأرض من حواليه ، ورفعه في الهواء . فاستيقظ رستم وندم على نومه وتركه التحرّر والتيقظ . ولما تحرّك وانتبه قال له الجنى : أيما أحب إليك : أن أرميك بين الجبال والصحراء أو أقذف بك في وسط الماء ؟ فأفكر رستم ، وقال في نفسه : إن طرحنى في الجبال والمواضع الوعرة تطايرت أوصالى وتقطعت أعضائي . والماء أسلم . لكن إن قلت له اقذفنى في البحر يخالفنى ولا يرمنى إلا على الجبال وفي المخارم والشعاب . » وعلم أنه يعمل بضد ما يختاره في ذلك . فاحتال عليه ، وقال : تطرحنى على الجبال وفي الغياض والآجام يرى الببر والأسد براثنى ويشاهدا آثار شدّتى وقوّتى . فقال له الجنى : وأنت بعدُ طالب لأن تذكر بالشدّة والشجاعة ؟ لأرمينك في مكان لا ترى فيه حيا ولا ميتا . فرماه في البحر .