حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
210
شاهنامه ( الشاهنامه )
آخذا في طريق جيو كِرد . ولما انتهى إليها نزل عليهما ، وخيم في صحرائها ، وفرق الصلائع حواليها . وكان صاحب جيو كرد أميرا من الأتراك يسمى ثراو . فلما بلغه الخبر بإقبال عساكر إيران نفذ فارسا من أصحابه يسمى كبوذه ليطلع على أحوالهم . فصادفه بهرام من جوذرز ، وكان على الطليعة ، وقبض عليه ، وقطع رأسه ، وعلقه من سموط سرجه ، وعاد إلى المعسكر . فلما أبطأ رجوع كبوذه إلى ثراو علم بمقتله حرب الإيرانيين وثراو فركب في عساكره وتقدّم للقاء الإيرانيين . فتلقاه جيو بن جوذرز في جماعة من الأمراء فناده وسأله عن اسمه . ثم قال له : يا فارس الهيجاء ويا مسعر الحرب ! كيف تجاسرت على أن أقبلت بهذا العدد القليل إلى حربنا ؟ فقال : أنا صاحب القلب الجريء والبأس الشديد ، وإن أصلى كان من إيران غير أنى اليوم مرزبان هذا الإقليم . وأنا مفزع الأكابر وختن الملك أفراسياب . فقال له جيو : لا تبح بهذا فإنه يضع من قدرك ، ويسفه لأجله رأيك . لأنك إذا كنت صاحب ما ذكرت من المراتب العالية فأين الجيش اللهام ؟ وأن الرايات والأعلام ؟ فقال : لا تنظر إلى قلة هذا العسكر ، وانظر إلى فتكات جرزى إذا استويت على ظهر فرسى . وإني سأقيم اليوم بسيفي عليكم القيامة ، وأوردكم موارد الخزي والندامة . فاغتاظ بيژَن بن جيو ، وأنكر على أبيه مفاتحة الكلام . وأشار بمناجزنه القتال . فثار بعضهم إلى بعض ، وقامت الحرب منهم على ساق . فجرى بينهم قتال عظيم قتل فيه أكثر أصحاب ثراو ، فولى مدبرا . فانقض في أثره بيژن كالشهاب الثاقب المرسل على الشيطان الخاطف ، فطعنه طعنة كادت أن تأتى عليه ، فتبعه وخطف من رأسه تاجا كان أفراسياب قد توّجه به . فانتهى إلى باب قلعته والعسكر في أثره . فنزلت اليه زوجته ، وكانت تسمى اسبنوى ، وكانت أحسن نساء زمانها . فارتدفها واستفزه الخوف فخرج هاربا يركض راكبا طريق توارن لينجو بروحه . فما كان إلا قليل حتى وقف به فرسه . فأنزل الجارية وخلاها . وكان بيژن يطرد خلفه كأنه ثعبان صائل . فلما انتهى إلى الجارية ارتدفها ، وعاد بها إلى المعسكر . وأخذوا تلك الناحية وخربوها . علم أفراسياب بمجيء طوس وجيشه قال : فمضى ثراو على حالته تلك لا يستقرّ ليلا ولا نهارا حتى وصل إلى حضرة أفراسياب ، وأخبره بما جرى على أصحابه من القتل والأسر ، وعلى قلاعه وضياعه من الخراب والنهب . فاهتم لذلك أفراسياب واغتم . وأقبل على بيران بن ويسه يعنفه وينسبه إلى التكاسل في جمع العساكر والاستعداد للحادث الكارث .