حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

194

شاهنامه ( الشاهنامه )

ولم يزل يطرد ويسوق حتى وصل إلى واد عميق كثير الماء ، فتفرّق العسكر في طلب المخاض . وقد كان جيو مع صاحبيه قد عبروا في تلك الساعة ، ونام هو وكيخسرو ، وقعدت فريكيس على الرصد تحفظ الطريق . فلما رأت أن الطلب قد أدركهم أيقظت النائمين . فقام جيو ولبس الدرع . وقال له كيخسرو : لا بد أن أركب معك ، ونقاتل القوم جميعا . فمنعه جيو وأشار عليه بأن يصعد مع أمه إلى جبل هناك يشرفان منه على العسكر . وقال : ليس في إيران من يصلح لملك غيرك . فلا ينبغي أن عرض نفسك للمحذور . وأما أنا فإن قتلت فلأبي ثمانية وسبعون ابنا كل واحد منهم مثلي ، ويقع خلفا عنى . حرب بيران وجيو ثم ركب وتلقاهم إلى شط النهر . فلما رآه بيران من ذلك الجانب صاح عليه ، وجعل يشتمه ، وقال : أتحسب أنك تدخل وحدك هذه الممالك ثم تنجو بنفسك . ولو كنت من الحديد فلست إلا رجلا واحدا . وستحيط بك الفرسان فيمزقون هذه الدرع عليك شققا ، ويفرقون أوصالك فرقا . فقال له جيو : أيها الفارس المقدام ! إن كنت رجلا واحدا وأنت في ألف فاعبر هذا الماء ، وانظر كيف تكون العاقبة . احتيال جيو على بيران وتأسيره له فغضب وخاض الماء حتى قطعه . فاحتال عليه جيو ، بعد أن قاتله ساعة ، فولاه ظهره وهرب مستجرا له حتى بعده عن أصحابه . ثم كر فتقاتلا قتالا عظيما ، فولى منه بيران منهزما ، فاتبعه ، وحل وهقا كان معه وحلقه عليه ، فأوثقه ورماه إلى الأرض واستأسره ، وقيد يديه ورجليه ، وطرحه إلى التراب في تلك الصحراء . وأخذ سلاحه فلبسه ، وركب فرسه ، وأخذ رمحه ، ورجع عائدا إلى شط النهر ، فعبر الماء وهم يظنون أنه بيران . فلما خرج إليهم سل سيفه وقاتلهم حتى هزمهم وقتل منهم خلقا كثيرا . ثم رجع وعبر الماء ، وجاء إلى بيران ، وأراد أن يقطع رأسه فجرّه على التراب مقيدا إلى أن انتهى به إلى كيخسرو وأمه . وقال : اغتر سياوخش بقول هذا الخبيث حتى توغل تلك الديار ، وأصابه ما أصابه . فلا بد من قتله . فطرح عند ذلك بيران نفسه بين يدي كيخسرو ، وقبل الأرض ، وقال : أيها الملك ! ليس بخاف عليك ما انطويت عليه من خلوص عبوديتك وصدق موالاتك ، وما تحملته في كف عاديه أفراسياب عنك . فالآن جزائي على ذلك تخليصي من يد هذا الثعبان . شفاعة فرنكيس لبيران وإطلاق جيو سراحه وكان جيو يراقب كيخسرو وينتظر ما يأمره به . فبكت فريكيس ، وذكرت لجيو ما عمل بيران في حقها من حسن الدفاع عنها حين هم أفراسياب بقتلها . وتشفعت اليه في بابه . فقال لها جيو : إني حلفت بالأيمان المغلظة أنى إذا ظفرت به خضبت الأرض بدمه . فقال كيخسرو : تجرح أذنه بالخنجر حتى يقطر على الأرض دمه ،