حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
190
شاهنامه ( الشاهنامه )
ثم أقبل على الصيد والطرد . ومكث على هذه الصفة في تلك الديار سنين عدّة . ذهاب زواره إلى معسكر سياوخش فقال أخوه زواره ذات يوم : إنا لم نقصد هذه البلاد للأخذ بالثأر . فما بالنار لا نضع فيهم السيف ، ونسلط عليهم يد الأسر والنهب ؟ تخريب رستم مدينة توران وهدمها فحرّك من أخيه قلبا ساكنا ، ونفر منه طيرا واقعا ، ووافقه على هذا الرأي . فشنوا الغارات على أهل تلك الممالك ، وسلطوا عليها أيدي الفساد والإبادة حتى محوا منها آثار العمارة . وما تركوا من حدود توران إلى حدود الروم وسقلاب مدينة إلا أحرقوها ، ولا ضيعة إلا خربوها ونهبوها ، وقتلوا كل من وجدوا فيها من الكهول والشبان ، وسبوا عن عداهم من النساء والصبيان رجوع رستم إلى إيران فضج من بقي من أهل تلك الديار ، وقصدوا رستم ، وقالوا : إنا برآء من أفراسياب ، ولسنا نريده أبدا . ولا نعرف أين توجه . وأنت بعد أن تمكنت من هذه الديار وأهلها فانظر بعين الرأفة والرحمة الينا ، وكف يد القتل والنهب عنا . فأقصر عند ذلك عنهم ، ورحل وساق عساكره حتى نزل في بلده سماه من تلك البلاد . وجمع عنده الأمراء والقوّاد والإصبهبذية ، وقال : إن كيكاوس قاعد وحده على النخت ، وليس على بابه أحد من الأمراء والأكابر . ولا نأمن مكر أفراسياب ، وأن يخرج من بعض الأطراف ويقصده فلا يجد من يدفعه ، ويقع محذور لا يطاق . ونحن فقد أدركنا ثأرنا ، والرأي أن نعاود حضرة ذلك الملك الكبير . فاستصوبوا ما رآه . فأمر بجمع السبايا وضبطها . فبلغ عدد من كان منهم من قرائب أفراسياب اثنى عشر ألفا ، فضلا عمن صاروا جزر الرماح والسيوف وطعم الوحوش والطيور . وأوقروا الفيلة بنفائس الجواهر ونوافج المسك ، وانصرفوا راجعين . فلما وصلوا إلى نيم روز تلقاهم دستان ، وأقام رستم هناك . ورحل طوس وجوذَرز وسائر الإصبهبذيه والأمراء والقوّاد طالبين حضرة كيكاوس فلوصلوها سالمين غانمين . قال : ولما يرجع الإيرانيون وخلت منهم بلاد الترك ظهر أفراسياب من أقصى المشرق فصادف قصوره رمادا تذروه الرياح ، ومساكنه معطلة تأوى إليها الوحوش والسباع . فجمع من أصحابه وأهل مملكته ، ممن أفلتوا من مخالب المنون ، جماعات مجمعة وأوشابا مختلفة . فاستأنف الأمر ، وجعل يستعد ويحتشد إلى أن كثف سواده ، وكثرت عدده وعتاده . وحرضهم على الاهتمام للانتقام ، وقال : لا تنكسرن قلوبكم باستيلائهم على ديارنا هذه المرة . فانى سوف أجزيهم كيل الصاح بالصاع ، وانتقم منهم بمرّ الكفاح وصدق المصاع . فكان يعيث في أطراف ممالك إيران ويفسد فيها على عادته الذميمة وسيرته القبيحة . على ما سيأتي . إن شاء اللّه .