حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

186

شاهنامه ( الشاهنامه )

إحضار بيران كيخسرو إلى أفراسياب فبينا هو ذات ليلة قاعد في إيوانه إذ أرسل اليه أفراسياب يدعوه إلى حضرته . فلما حصل عنده أخذ معه في أنواع في الحديث ثم قال : كيف يليق أن يكون سبط أفريدون راعيا بين الرعاة ؟ فانظر فإن كان لا يذكر شيئا مما جرى من قبل فلا ينبغي أن يترك على حاله بين الرعاة في رؤوس الجبال . ومهما صدر منه ما نكره قتلناه واسترحنا منه . فقال بيران : أيها الملك ! إنه صبىّ صغير لا حس عنده ولا عقل له ، ولا خبر عنده من الأحوال التي مضت ، وكأنه شبه المجنون . فأمر بإحضاره . فامتنع بيران . ثم استحلفه على ألا يصيبه بمكروه فحلف له على ذلك . فرجع بيران إلى إيوانه ، وأحضر كيخسرو ، وقال له : إذا دخلت على الملك ففرغ من العقل دماغك ، وأخل من الأدب نفسك . فإذا سألك عن شيء فلا تجبه إلا عن ضدّه وتجانن عنده ، وعدّ نفسك أجنبية من كل معقول حتى تخلص منه . ثم خرج به حتى قدم على أفراسياب . فلما رآه تعجب منه وجعل يتأمل قدّه وقالبه وشكله وشمائله ، فتغير لونه . فبقى ساعة ينظر اليه ثم قال : أيها الراعي الجديد ! كيف ينقضى عليك الليل والنهار ؟ ولماذا تدور خلف الغنم ؟ فقال : ليس عندنا صيد ولا نشاب ولا قوس . ثم سيايله عن معلّمه ، وفاوضه في الخير والشر وتصاريف الدهر فقال : أينما كان النمر مزق قلب الرجل الجرىء . ثم سايله عن أبيه وأمه عن إيران وتوارن فقال : الكلب لا يغلب الأسد . فضحك أفراسياب ، وأقبل على بيران ، وقال : كأنه لا قلب له ، فإنه إذا سألته عن الرأس أجانبى عن الذنب . وكأنه لا يقع منه محذور . وطالب الثأر لا تكون هذه صفته . فسلمه إلى أمه ، وسرحهما إلى مدينة سِياوخش كِرد ، ولا تمكن أحدا يعلمه الشر من أين يدور حواليه . رجوع كيخسرو إلى مدينة سياوخش كرد فخرج بيران مسرور القلب بسلامة كيخسرو إلى إيوانه ، وطفق يحمد اللّه ويشكره على ما جرى في ذلك المجلس . ثم أطلق له من خزائنه جملة من الذهب والفضة والخيل والأسلحة والمفارش والملابس ، وسرحه إلى مدينة سياوخش كرد . فدخل المدينة مع أمه فريكيس ، فاجتمع عليهما الناس يبكون على سياوخش ، ويشكرون اللّه تعالى إذ أخرج من تلك الجرثومة الكريمة غصنا نضيرا ، وجعل خلَف ذلك القمر هلالا منيرا . هذا منتهى الخبر عن مقتل سياوخش وما اتصل به . والآن نشرع في ذكر نهوض الإيرانية لطلب الثأر ، وتخليصهم لكيخسرو عن تلك الديار ، وما يتلعق بذلك إن شاء اللّه تعالى .