حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
183
شاهنامه ( الشاهنامه )
وأما الآن بعد أن جرى ما جرى ، وأفنيت أصحابه أجمعين ، وأصبته في نفسه فالأولى أن تفرغ منه . فقال لهما أفراسياب : إني لم أر منه ذنبا يوجب قتله ، ولكن أخاف ، على ما يقول المنجم ، شره . وإطلاقه الآن أضرّ علىّ من قتله . مع أن قتله داء أجتره إلىّ . بكاء وتضرع فرنكيس إلى أفراسياب فبينا هو في ذلك إذ جاءته ابنته فريكيس مضرجة الوجنات بنجيع العبرات . فأجهشت اليه بالبكاء والعويل ، وقالت : أيها الملك ! إن سياوخش هاجر من أجلك أباه ، وترك من رباه ، وفارق دياره ، وباعد أشياعه وأنصاره ، واتخذك ملاذا ومفزعا . فما الذي صيرك بإراقة دمه مولعا ؟ أما تعلم أن من يقتل أرباب التيجان لا يمتع بتاجه وتخته إلا قليلا من الزمان ؟ فلا تجعل نفسك عرضة لسوء المقال ، بقول كرسيوز المحتال . فيدعى عليك طول عمرك ، ويختم لك بالنار في آخر أمرك . ولقد بلغك ما أصاب الضحاك بسبب ظلمه وسفكه الدماء ، على يدي أفريدون ، وما أصاب تورا وسلما بظلمهما ، على يدي منوجهر . أما تعلم أن كيكاوس قاعد على تخته ، ورستم قابض على قائم سيفه ؟ فما بالك تظلم نفسك ، ولا تراجع رأيك . وعقلك ؟ فنظرت عند ذلك إلى وجه صاحبها سياوخش وحاله ، فطارت نفسها شعاعا ، وكادت نيران زفراتها تنشر شعاعا ، وصاحب الويل والحرب . فاحترق عليها قلب أبيها ، لكنه تجلد واستولت عليه القسوة فأمر بها فجست في بيت مظلم . مقتل سياوخش على يد كروى والتفت كرسيوز إلى صاحبه كُرو ، فعمد إلى سياوخش ، وجعل يسوقه بالإهانة والإِذلال وأخو بيران يمشى خلفه باكيا . فالتفت اليه وودعه ، وقال : اقرَأ بيران عنى السلام ، وقل له ما كان ظني بك أن تخفر الذمام . قال : فعدلوا به عن الطريق إلى الصحراء ، فأضجعه كروزره على التراب ، وذبحه بخنجر تناوله من كرسيوز في طشت من الذهب . قال صاحب الكتاب : وإنهم لما سبكوا دمه بنت منه النبت للمعروف الذي يسميه العجم بخون سِياوُشان . وهو الذي يسمى في بلاد العرب دم الأخوين . وهو إلى الآن يجلب إلى أطراف البلاد من ذلك المكان . حزن وجزع فرنكيس على سياوخش بعد قتله ولعنها أبيها أفراسياب قال : ولما فرغ أفراسياب من أمره ألقى عليه النوم ، وغمرته غمراته حتى نام نومة عبود أو كاد . وهبت إعصار ثار منها عجاج أظلمت منه الآفاق حتى كان أحدهم لا يرى فيه صاحبه . ثم إن فريكيس لما علمت بأن سياوخش قد قتل قطعت قرونها وخمشت خدودها ، ورفعت صوتها بالبكاء والعويل ، وأخذت تلعن أباها أفراسياب رافعة صوتها بلعنه حتى سمعه . فأمر أن تبرز من الحجاب ، وتبطح وتضرب بالعصى حتى تسقط ما في بطنها . فمشى بيلسم إلى أخويه لهّاك وفرشيذ ،