حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

161

شاهنامه ( الشاهنامه )

امتحان سياوخش بالنار وأمر الملك وزيره فأمر الساربان فأنفذ من الإبل مائة عير فحملت حطبا كثيرا فكتوموه في الصحراء على هيئة جبلين عظيمين . فأمر الملك الموبذ فأفرغ القِطر المذاب على تلك الأحطاب . وجاءوا بمائتي وقاد ، فطرحوا النار فيها حتى التهبت ، وخيلت أن الأرض مملوءة بالنار ، والجوّ مشحون بالأنوار . فماج الناس واجتمعوا عليها متوجعين على سياوخش يبكون على شبابه الناضر ، وجماله الباهر . فجاء سياوخش راكبا على فرس أدهم ، وعلى رأسه بيضة من الذهب ، وقد لبس ثياب البياض منثورا عليها الكافور ، كما يعمل بالحنوط في الكفن . ولما قرب من أبيه ترجل وقبل الأرض ، فنظر إلى وجهه وقد غمره الحياء فقال له : لا بأس عليك فإني إن كنت بريئا فسوف تراني وقد خرجت سالما . وإن كنت مذنبا فلن يحفظني اللّه . وسوف أعبر بقوّة اللّه تعالى على هذه النار . فاضطرب الناس حينئذ وضجوا بالبكاء والنحيب . وصعدت سوذابه إلى إيوانها تنظر متى يحترق سياوخش . فركض سياوخش فرسه ، وخاض تلك النار المسعرة ، وداسها بحوافر فرسه حتى قطعها وخرج منها سالما لم يصبه شيء . فصاح الناس عند ذلك ، واستبشروا . فعظم ذلك على سوذابه حتى جعلت تنتف شعرها وتخمش خدّها . وأقبل سياوخش إلى أبيه . فلما دنا منه نزل اليه وعانقه ، واعتذر اليه ، وأخذ يثنى عليه ويصفه بنقاء الجيب وطهارة الذيل . واجتمعا في مجلس الأنس على الشرب والطرب إلى تمام ثلاثة أيام . شفاعة سياوخش عند أبيه ليعفو عن سودابه ثم جلس عند تخته ، ودعا بسوذابه ، وخاطبها بالوعيد وأنواع التهديد . ثم أمر بالآخرة بصلبها . فبادروا إلى إخراجها من سترها على جملة الخزي والهوان . فضجت الإماء من وراء الستور يبكين عليها . فرق الملك عند ذلك لها واصفر لونه ، لكنه أخفى ذلك ولم ينطق به . فعلم سياوخش أنه سيلحقه الندم على ذلك من فعله ، وتفرّس ميله إلى العفو عنها والإغضاء عن خطيئتها . فوثب قائما وتشفع اليه ، واستوهبا منه . فقبل شفاعته فيها ، وعفا عنها وردّها إلى حجابها . قال : ثم بعد زمان مضى على ذلك تزايد شعف كيكاوس بها حتى صار لا يصبر ساعة عن لقائها . وعاودت المكر والحيلة في إفساد قلب الملك على ولده جريا منها على مقتضى فساد طينتها ودخل نحلتها . وسيأتي ما أفضى اليه حالها من بعد إن شاء اللّه تعالى .