حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
157
شاهنامه ( الشاهنامه )
فتبسم الملك عند ذلك وهو لا يشعر بما انطوى عليه التبن من الماء ، وتضمره سوذابه من الداء . وقال : لا بأس عليك فإن الأمر موكول إلى اختيارك . ولا يكون حديثها معك إلا عن صفاء المحبة وخلوص الشفقة . قال : فخرج سياوخش وهو وجل من مكر سوذابه . وعلم أن إشارة أبيه عليه بالتزويج صادرة عن سوذابه مكرا وخبثا . مجيء سياوخش إلى دار النساء مرة أخرى ثم إنها جلست من الغد على تختها ، واعتصبت بتاجها ، وأمرت المخدّرات أن يبرزن من كِلَلهن متزينات في حليهن وحللهن . وأمرت هِرزَبذ الموكل بحفظهن بالمصير إلى سياوخش واستدعائه . فحضر ودخل الشموس فقامت له وأجلسه على تخت الذهب ، وقعدت إلى جانبه . ثم قالت له : انظر إلى هذه الشموس الطالعة والأقمار الزاهرة ، وأعلمني بمن يقع اختيارك عليها منهن . فتأملهن زمانا ثم انصرفن إلى حجرهن ، وكل واحدة ترجوه وتحسبه في بختها . ثم قالت له سوذابه : مالك لا تعرب عن مقصودك ومرامك ، وتخبرني بمن وافقك منهن ؟ فلم يجبها سياوخش وسكت متحيرا في أمره ، وقال في نفسه : لأن أندب على نفسي وأبكى عليها خير من أن أتزوّج من بنت العدوّ . وغير خاف ما صنع أبوها دربيس ملك هاماوران بأكابر إيران . وسوذابه من بناته وهي ، لا محالة ، لا تريد بنا الخير ، ولا تضمر لنا إلا الشر . ولما رأت سوذابه سياوخش ساكتا لا يجيبها أماطت عن وجهها نقاب القصب ، وقالت : من كانت الشمس في حجره فلا عجب ألا يرفع بغيرها طرفا . تشير بذلك إلى نفسها . وقالت : إن قبلت منى ما أقول ، وعاهدتنى على ذلك زوّجتك من بناتي بنتا تقوم بخدمتك كما تقوم الأمة . حتى إذا فارق الملك هذه الدنيا تكون أنت القائم علىّ ، والكافل بأمري ، والذائذ الشر عنى . وهأنا بين يديك ، وكل ما تريد منى فأنت ممكن منه . ثم أطرحت قناع الخفر ، وأخذت برأس سياوخش وقبلت وجهه . فتورّست وجناته وجلًا بعد أن تورّدت خجلا ، واستعاذ باللّه من الشيطان ، وقال في نفسه : كيف أدنو من السم القاتل ، وأقابل بغير الوفاء إحسان الوالد ؟ وأخاف إن جابهتها بالرد ، وخاشنتها في القول ، أن تحتال علىّ بسحرها فتفسد قلب الملك علىّ . فالأولى أن ألاينها ، وأجانب مخاشنتها . فقال لها : إنك ، مع ما خصصت به من الجمال الرائع والحسن البارع ، لست تصلحين لغير الملك . وأما أنا فتكفينى ابنتك . وأعاهدك على ألا أعدل