حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

142

شاهنامه ( الشاهنامه )

وتضاربا وكأن النار تمطر من سيوفهما . ولم يزالا حتى تكسرت سيوفهما . فمدا أيديهما إلى عموديهما ، ورفعا هما وجعلا يتضاربان ويتقارعان حتى تمزقت الأدراع الموضونة على أكتافهما ، وتقطعت التجافيف على خيلهما . فضعفا ووقفت دوابهما ، وبقيا من العرق غريقين ، ومن العطش محترقين . فوقف الأب من جانب والابن من جانب آخر ينظر أحدهما إلى الآخر . فيا عجبا كيف انسدّت دونهما أبواب التعارف ، ولم تتحرك بينهما عروق التناسب ؟ والإبل مع غلظ أكبادها لتعطف على أولادها ، والطيور في جوّ السماء والحيتان في قعر الماء لا تنكرون أولادها وأفراخها والانسان من فرط حرصه يخفى عليه فلذة كبده ، ويستنكر قرّة عينه ، ولا ينزع إلى ولده ! وقال رستم : لم أر قط قتالا بهذه الصفة . ولقد انقطع رجائي من رجوليتى ، وبرهان علىّ في جنبه ما لقيت في قتالي لملك الجن سبيذديو . ثم إنهما استراحا ساعة . ثم عادا إلى القتال ، ورشق أحدهما الآخر فما ضر واحد منهما شيء لمظاهرتهما بين الدروع والجواشن . فمدّ كل واحد منهما يده إلى معقد منطقة صاحبه ، وجعل رستم الذي لو مدّ يده إلى الجبل لاقتلع من حجارته يحتال ، وهو آخذ بمعاقد سهراب ، أن يحركه من ظهر فرسه . وسهراب كأنه لا خبر عنده من ذلك . ثم إن سهراب أخرج جرزه من حلقة سرجه ، ورفعه وأهوى به إلى أكتاف رستم ، فتألم منه رستم . فضحك رستم سهراب وقال : أيها الفارس كيف تثبت الصدمات الشجعان ؟ وإن الشيخ وإن كان عظيم القدّ شديد البأس فمستقبح منه عمل الشبان . ثم إن كل واحد منهما أدركه الضجر وتتاركا . فركض رستم صائلا على صف عسكر توران ، وفعل سهراب كفعله فحمل على صف عسكر إيران . فتفرّقت لحملته الفرسان . فالتفت رستم وتوهم أن مدّة كيكاوس قد همت بالانقضاء على يد سهراب . فرجع وصاح عليه صيحة . وقال : أيها المِسعر السفاك ، إنه لم يتعرّض بك ولا بدأ بقتالك أحد من الإيرانيين حتى تتوسطهم ، وتعيث فيهم كما يعيث الذئب في قطيع الغنم . فقال سهراب : وهكذا عسكر توران لم يبدءوك ، ثم إنك حملت عليهم . فبك اقتديت ، وعلى منوالك نسجت . فقال له رستم : قد أظلم الأفق ، وهجم الليل فليرجع كل واحد منا إلى معسكره . ثم نعود إذا أصبحنا . رجوع رستم وسهراب إلى معسكرهما فرجعا فحكى سهراب لهومان ما جرى بينه وبين رستم . وكذلك رستم حكى لجيو ما جرى له في يومه . ثم ركب رستم إلى خدمة الملك كيكاوس . فلما دخل عليه أجلسه بجنبه ، واستخبره عما جرى له . فجعل رستم يحكى له عن سهراب ، ويذكر أنه قد أفرغ وسعه ، وبذل جهده في أن يغلبه فلم يقدر عليه . وقال غدا احتال عليه بالمصارعة واللّه أعلم المنصور منا . ثم خرج من عنده ،