حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
117
شاهنامه ( الشاهنامه )
الفيول ، وتضطرب تحت وقع سنابك الخيول . وساق عساكره كذلك ولم يتلبث فواق ناقة . حرب كيكاوس وملك مازندران واضطرام القتال بينهما فانتهى الخبر إلى كيكاوس بدنوّ عساكر الجن ّ . فأمر رستم أوّلا بالتأهب والتشمير ، وأمر طوسا وجوذرز بإعداد العدد ، وتعبئة العساكر . وفضربوا سرادق الملك كيكاوس في الصحراء . وجعلوا طوسا في الميمنة ، وجوذَرز في الميسرة ، ووقف الملك في القلب . وبرز رستم قدام العسكر . فتقدّم فارس من أصحاب ملك مازندران يسمى جوبان وكأنما يخرق الأرض بشدّة بأسه ، ومر على صفوف الإيرانية كأنما يشقق السهل والجبل بزفيره وتغيظه ، وجعل يطلب المبارزة فلم يجبه أحد منهم . فأشرع رستم رمحه واستأذن كيكاوس فبارزه ، وطال بينهما القتال ، وتمكن منه رستم فدار من خلفه ووضع سنانه بين كتفيه فأخرجه من نحره ، ورفعه على رمحه كالطير على السفود ، ثم رماه مضرجا بالدم صريعا لليدين والفم . فتعجب أسود مازندران من ذلك ، وانكسرت ظهورهم ، وأرعبت قلوبهم . فأمر ملك مازندران عساكره أجمعين بأن يشدّوا عليهم شدّ الليوث ، ويقاتلوهم قتال النمور . فارتفعت من الجانبين أصوات الكوسات والطبول ، وأظلمت الآفاق بالقساطل ، وارتجت الأرض بالحجافل ، وأضاءت السيوف في سماء العِثْير إضاءة البرق في السحاب المكدر ، وصارت الأرض كبحر من القار تتراكض سوابح الخيول فيها كالسفن . فبقوا كذلك في القتال على حالة واحدة مدّة أسبوع . فلما كان اليوم الثامن ألقى الملك كيكاوس مغفره ، وضع خدّه على التراب وعفره ، وجعل يسأل اللّه تعالى أن ينصره . ثم لبس المغفر وحضر المعركة فارتفعت أصوات الكوسات ، وتزاحفت الصفوف ، وتكافحت الجموع ، وجعلت سيول الدماء تتدفق بين الأودية والشعاب من أوّل السحر إلى مغيب الشفق . واجتمع في المعترك من جثث القتلى ما يضاهى الهضاب العالية . فتوجه رستم نحو ملك مازندران وقصد قصده في جمع عظيم . وقد ثبت ملك مازندران في مجال الحرب متصدّيا للطعن والضرب في جموعه ورجاله وخيوله وأقباله . فلما واقع بصره على رمح رستم ارتعدت فرائصه واضطرب قلبه . فألقى رستم رمحه ، وتناول الجرز ، وذكر اللّه تعالى ، وخاض غمار الملحة فوهت قوى السحرة فتخاذلوا وتواكلوا ، أسرع فيهم القتل حتى طبق الأرض جثث القتلى وخراطيم الفيلة . ثم أخذ رستم رمحه فطعن الملك في خاصرته طعنة رمته إلى الأرض . فسحر أعين الناس وصار كأنه قطعة جبل . فوقف الإيرانيون ينظرون اليه . ثم نزل اليه فرسانهم فما رأوا سوى صخرة صماء لا يطاق قلبها وتحريكها . فترجل رستم وتناوله بأصابعه ، وكانت كبراثن السباع ، فرفعه على كاهله ،