حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
72
شاهنامه ( الشاهنامه )
وما يظهر فيها من النقصان ، فذاك إشارة إلى نقصان الشهر وأنه تارة يكون تسعا وعشرين ، وتارة ثلاثين . وأما الشجرتان اللتان عليهما معشش الطائر فإن العالَم من وقت حلول الشمس في برج الحمل إلى أن تبلغ إلى الميزان يتبرج كالخريدة المعطار ، في حلى الرياحين وحلل الأزهار . ومن حين حلولها العقرب إلى أن تحل الحوت يقبع بين إسحاق الحِداد ، وأطمار السواد . فالشجرتان كنايتان عن عضدي الفلك الدوّار ، والطائر عبارة عن الشمس الباهرة الأنوار . وأما البلدة الطيبة فهي دار القرار ، ومنزل الأبرار . والأرض التي آثروها عليها فهي الدنيا قرارة الأكدار ، ومعرّس الأخطار . تناهبك مدارج الأنفاس ، وتضرب في انصرام عمرك الأخماس في الأسداس . بينا أنت إلى نعيمها راكن ، وفي ظلالها وادع ساكن ، إذ تزلزلت من تحتك ، وأمطرت مكارهها من فوقك ، فسمعت الأفلاك تنشدك في ذاك : لا أنت أنت ولا الديار ديار * خفّ الهوى وتولت الأوطار إن هذا الإنسان ، وإن طاول الكيوان ، فليس يصحبه منها غير ستره تحت حفرة . فإن اكتسب فيها الذكر الجميل ، أحرز هنالك الأجر الجزيل . وإن زرع العدل والإحسان ، حصد الروح والريحان . ثم إن صاحب المنجل كناية عن الأجل يحصدنا كحصد النبات ، فيأتي على البنين والبنات ، سواء في مكروهه الشيب والشبان ، والفروع والأغصان . زال يظهر مزاياه أمام منوجهر قال : فلما رأى منوجهر استخراجه لتلك الرموز الخفية والأسرار المبهمة تهلل مستبشرا وارتاح مبتهجا ، وجلس في مجلس عظيم قد فرش بالديباج والحرير ، وطيب بالمسك والعبير . ودعا بدستان وسائر القوّاد . وتعاطوا كئوس الرحيق . فلما تورّدت وجناتهم ، وتمشت في مفاصلهم نشواتهم ، قاموا متمايلين إلى مضاربهم . ولما أصبح زال عاود الخدمة واستأذن الملك في عوده إلى أبيه . وذكر أنه قد برحت به اليه الأشواق ، واستنفد صبره الفراق . فقال له الملك تلبث عندنا هذا اليوم . فمازحه وقال إن الذي يزعجك حب ابنة مهراب ، والنار تأبى إلا الالتهاب . فأمر العسكر فلبسوا السلاح ، وجردوا الصفاح ، واعتقلوا الرماح . وبرزوا إلى الميدان ، يتلاعبون بالسيف والسنان ، ويتساجلون في الضراب والطعان . قد نصبوا الأغراض ، وتعاطوا التوتير والإنباض . فمسخ زال معاطف قوسه وأطلق نشابة نحو شجرة عظيمة كانت بين يديه فمرقت منها . ثم أتبعها بأخرى راكضا فرسه فنفذت فيها كمثل الأولى . ثم اصطف العسكر من الجانبين وزحف بعضهم إلى بعض يواترون بين طعن وضرب . وكان زال مطلا عليهم ينظر إليهم .